سر الام المدفون حكايات صافي هاني
شايله مع زينب طول العمر، أخيراً نزل من على كتافه ماركوس قام من مكتبه وقرب مني، بس أنا رجعت خطوة لورا. مكنتش طايقة ريحة عطره الغالي ولا البرود اللي بيتكلم بيه.
إنتي فاكرة إن الموضوع بالسهولة دي؟ سألته وأنا بحاول أتمالك أعصابي. فاكر إن الكلمتين دول هيمسحوا سنين الحرمان؟ أمي ماتت وهي بتداري وجعها ورا لقمة العيش المرّة، وأنت كنت هنا بتبني قصور.
ماركوس بص للأرض وقال بصوت واطي أنا كنت ببعت الفلوس دي عشان أضمن إنك تتربي أحسن تربية.. مكنتش أعرف إنها مش بتلمس مليم منها.
ضحكت بسخرية أمي ربتني أحسن تربية فعلاً.. علمتني إن الكرامة مابتتباعش، وإن القرش اللي ييجي منك ميتصرفش على أكلنا وشربنا، ده يترد في صدرك رصاص.. بس رصاص قانوني.
فتحت الشنطة وطلعت ملف صغير كان أبويا ادهوني وأنا نازلة، مكنتش لحقت أشوفه. كان فيه ورقة تانية، وصية تانية من أمي بس المرة دي موجهة ليا أنا.
يا بنتي.. يا ليلى. لو قريتي الكلام ده، يبقي أنا خلاص ارتحت. ماركوس مش مجرد راجل غني، ماركوس هو الشخص اللي حاول يكسر كبريائي زمان. الأسهم دي مش عشان تبقي غنية، الأسهم دي عشان يوم ما يقرر يبيع الشركة أو يهد تعب السنين، كلمتك إنتي اللي تمشي.. إنتي دلوقتي صمام الأمان لآلاف العمال اللي في شركته.
بصيت لماركس وقلتله أنا مش جاية أهد الشركة.. ولا جاية أخد مكانك في المكتب ده. أنا جاية أقولك إن من النهاردة، مفيش قرار هيتاخد في المكان ده من غير إمضائي. وال 11 ألف دولار اللي كنت بتبعتهم كل شهر؟ هيتحولوا من حسابك الشخصي لجمعية خيرية باسم زينب.. ده تمن سكوتي عن الفضيحة اللي ممكن أعملها بكرة في الجرائد.
ماركوس هز راسه بالموافقة، كأنه كان مستني اللحظة دي عشان يخلص من ذنب بقاله 18 سنة. اللي إنتي عايزاه هيحصل يا ليلى.
خرجت من البرج العملاق وأنا حاسة إن الهوا أخيراً بقى كفاية. ركبت عربيتي القديمة ورجعت الحارة. وأنا طالعة السلم، شميت ريحة الغسيل وصوت المكن اللي تحتنا.. بس المرة دي محسيتش بالخنقة.
دخلت المطبخ، لقيت أبويا لسه قاعد، بس كان غسل كوباية القهوة وحطها مكانها. بصلي وسألني عملتي إيه؟
قعدت جنبه ومسكت إيده الخشنة رجعت حق أمي يا بابا.. ومن بكرة، حياتنا هتتغير، بس الشقة دي مش هنسيبها.. دي المكان الوحيد اللي أمي كانت فيه أقوى من الملياردير وقصره.
أبويا ابتسم وسند راسه لورا، ولأول مرة من سنين، شفته بيغمض عينه وهو مرتاح، كأن الحمل اللي كان شايله مع زينب طول العمر، أخيراً نزل من على كتافه.
تاني يوم الصبح،
الموظفة اللي شافتني امبارح، أول ما شافتني داخلة المرة دي، وقفت احتراماً من غير ما تحس. طلبت أقابل مدير الفرع، وفي مكتبه، وبكل هدوء، طلبت تجميد كل التحويلات اللي بتيجي من حساب ماركوس، وتحويلها ل صندوق صدقة جارية باسم زينب محمود.
المدير بصلي بذهول يا آنسة ليلى، إنتي عارفة المبالغ دي ممكن تعمل إيه؟ إنتي ممكن تنقلي حياتك في حتة تانية خالص!
بصيت له بابتسامة باردة وقلتله
أنا حياتي اتنقلت فعلاً اليوم اللي أمي علمتني فيه إن الشبع في النفس مش في الكرش.. الفلوس دي كانت تمن هي رفضت تقبضه، وأنا مش هبيعه.
رجعت الحارة، وقبل ما أدخل بيتنا، وقفت قدام المغسلة اللي تحتنا. دخلت لصاحبها، راجل غلبان وشقيان بقاله سنين، وقلتله
يا عم عبده، من أول الشهر الجاي، الإيجار مدفوع لسنة قدام.. والمحل ده هيتجدد فيه كل المكن على حسابي.
الراجل مكنش مصدق، كان فاكرني بهزر، بس أنا كنت بنفذ أول وصية لأمي متبقيش زيه.. خليكي أحسن منه.
طلعت الشقة، لقيت أبويا لابس قميص مكوي ونضيف، وقاعد بيقرأ في المصحف اللي كان جنب رأس أمي. قعدت على الأرض
بابا، أنا قررت أفتح مرسم خاص بيا، وهسميه بقايا حكاية.. هحكي فيه قصص الناس اللي زي أمي، الناس اللي عاشوا كبار وماتوا وهما مبيملكوش غير كرامتهم.
أبويا حط إيده على شعري وقال بصوت مليان حنية
أمك كانت عارفة إنك هتعملي كده.. عشان كده كانت بتشتري الأسهم باسمك إنتي، مش باسمها هي. كانت عايزة تديكي القوة، بس سابتلك حرية الاختيار.
في اللحظة دي، تليفوني رن.. كان رقم ماركوس ويتمور.
رديت بكل برود نعم؟
جالي صوته مهزوز ليلى.. أنا بعتلك ملفات الاجتماع السنوي لمجلس الإدارة.. محتاجين حضورك.
قلتله وأنا ببص لصورة أمي اللي على الحيطة
أنا هحضر يا ماركوس.. بس مش عشان أسمعكم، عشان أقولكم إن من هنا ورايح، الأرباح مش هتروح لليخوت والعربيات، الأرباح هتروح للناس اللي بتبني المصانع دي بعرقها.. وده مش طلب، ده أمر بصفتي أكبر مساهم.
قفلت السكة وأنا حاسة بانتصار حقيقي. مكنتش محتاجة قصر عشان أحس إني ملكة، كان يكفيني إن أمي، الست البسيطة اللي كانت بتخيط كوع البالطو بتاعها، قدرت تأدب الملياردير وهي في قبرها.
دخلت المطبخ وعملت كوبايتين شاي ليا ولأبويا، وقعدنا في البلكونة اللي بتبص على الحارة الزحمة.. الحارة اللي كانت أوسع من كل قصور ويتمور، عشان كان فيها ريحة
زينب