وصية الزوجه حكايات صافي هاني
الصبح كنا بندفن مراتي، بنتي ضحكت في التليفون وقالتلي يا بابا ده عيد ميلاد صاحبتي، متبدأش بقى تحسسني بالذنب وتنكّد عليا.
وقفت جنب خشبة مراتي ساكت، والمطرة غرقّت بدلتِي.
بعد كام أسبوع، قطعت جواب المحامي وصرخت
مش هتاخدوا مني كل حاجة بالسهولة دي!
بس لحد اللحظة دي، مكنتش لسه عارف إيه هي وصية مراتي الأخيرة اللي مقدرتش أنفذها.
يومها الصبح واحنا بنودعها، بنتي اختارت الأغاني والأنوار، وسابت الحزن والدموع ليّا.
الساعة 713 بالظبط، ندهت عليها وأنا واقف جنب التابوت
يا أمل.. أمك راحت خلاص.
سكتت.. تلات ثواني كأنهم دهر.
وبعدين ضحكت ضحكة خفيفة
يا بابا ده عيد ميلاد نهى النهاردة، بلاش تقلب الموضوع دراما وتخليه عنك أنت.
بصيت ل ماجدة وإيدها الشاحنة اللي متسكنة فوق فستانها الكحلي الحرير اللي كانت بتحبه.. ريحة الجامع والمطر والتراب المبلول كانت في كل مكان.
اتنين وأربعين سنة جواز كانوا قدامي في صندوق خشب.. وبنت مكلفتش خاطرها تيجي.
قلتلها بصوت واطي كانت بتسأل عليكي.
نفخت بزهق وقالت ما هي طول عمرها بتسأل عليكي، ده مش معناه إني أسيب ورايا كل حاجة لمجرد إن حد قلبها نكد.
كنت عاصر
ورايا الشيخ قالي بهدوء يا حاج حسن.. جاهز؟
لأ.. مكنتش جاهز.
بس قضيت عمري كله جاهز لكل الناس.. بنيت شركاتي وشقيت، وماجدة ربت أمل بصبر مبيخلصش.
دفعت لها أغلى مدارس، وسفرتها باريس، وجبتلها شقة في الزمالك، وشيلت عنها خساير مشروعين فاشلين، وحتى جوازتها اللي باظت قبل ما الفرح يبدأ أنا اللي سددت تمنها.
ورغم كل ده، بنتي بتكلمني كأني مجرد محفظة قديمة بتتنفس.
قلتلها تعالي النهاردة.. مش عشاني، عشان خاطرها هي.
سمعت صوت كاسات ومزيكا جاية من عندها.
يا بابا، نهى حاجزة روف وأنا لبست خلاص.. ماما أكيد كانت هتفهم وتوافق.
قلتلها لأ.. مكنتش هتوافق.
صوتها بقى حاد وقالت متحاولش تذنبني، أنت مش ضعيف زي ما بتبين.. أنت بس وحيد، افتكر ده كويس قبل ما تحكم عليا.
وقلبت السكة في وشي.
الجنازة تمت من غيرها.
الجيران والممرضات والموظفين القدام جم.. حتى عم عبده السواق القديم كان واقف بيعيط بحرقة أكتر من القرايب.
كلهم حكوا عن ماجدة.. إزاي كانت بتدفع مصاريف مستشفيات لناس متعرفهمش، وبتبعت أكل وورد لست أرملة ساكنة جنبنا، وبتفتكر أعياد ميلاد الكل.
بنتي فاتها كل الكلام ده.
عند
بالليل، أمل نزلت صورها.. فستان سواريه، وكاسات، وروف بيطل على النيل.
كانت حاضنة صاحبتها وبيضحكوا تحت بالونات دهبي.
وكاتبة فوق الصورة العيلة اللي بنختارها بنفسنا هي الأهم.
فضلت باصص للجملة دي كتير.
بعدها فتحت درج مكتبي، طلعت وصية ماجدة اللي كانت مقفولة بختم، ومسكت التليفون.
كلمت المحامي وقلتله بجمود
يا متر.. جهز الورق.. جه الوقت اللي نفتح فيه الوصية.
المحامي ريتشارد رد عليا وصوته فيه هيبة يا حاج حسن، أنت متأكد؟ المدام كانت واضحة جداً في وصيتها، قالت لو أمل مجتش الجنازة، الورق ده يتنفذ فوراً ومن غير نقاش.
قلتله وأنا قلبي ميت نفذ يا متر، هي اللي اختارت عيلتها، وأنا كمان هختار اللي يستاهل.
تاني يوم الصبح، أمل كلمتني وصوتها كان لسه فيه أثر السهر والضحك بابا، المحامي بعتلي إيميل غريب، بيقول إن الشقة والعربية والمصنع وكل حاجة باسم جمعية ماجدة الخيرية.. أكيد في غلط، صح؟
أخدت نفس طويل وقلت لها مفيش غلط يا بنتي.. أمك وصيتها كانت بسيطة اللي ميحضرش وداعي، ملوش مكان في متاعي.. وزي ما أنتِ قلتي إنها
بدأت تصرخ وتعيط أنت بتنتقم مني؟ أنا بنتك الوحيدة! هترمي شقا عمرك للغرباء؟
رديت ببرود الغرباء دول هم اللي وقفوا في المطر يدفنوا أمك، والسواق اللي ملوش مصلحة عيط عليها أكتر منك.. أمك سابت لك أغلى حاجة كنتِ بتدوري عليها.. سابت لك حريتك من غير ذنب، ومن غير محفظة أبوكي القديمة.
قالتلي وهي بتنهج هرفع قضية، هثبت إنك ضحكت عليها!
ضحكت بوجع وقلت لها المحامي مستنيكي، بس افتكري كلامك.. ماتخليش الموضوع عنك.. أنا دلوقتي مش وحيد يا أمل، أنا بين ناس بيحبوا ماجدة بجد، مش بيحبوا رصيدها في البنك.. سلام يا بنتي.
قفلت السكة، وبصيت لصورة ماجدة على المكتب، وحسيت لأول مرة من سنين إن المطر اللي برا بدأ يغسل الوجع اللي جوه.. الوصية مكنتش فلوس، الوصية كانت درس أمل كان لازم تتعلمه، بس للأسف، اتعلمته وهي برا البيت.. وبرا حياتنا خالص.
أمل مكنتش مصدقة، كانت فاكرة إن الموضوع يومين وهيروحوا لحالهم وأنا قلبي هيحن. فضلت تتصل وتبعث رسايل تهديد ووعيد، وبعدين قلبتها عياط وتوسل يا بابا أنا لحمك ودمك، هترمي بنتك عشان خاطر شوية
رديت عليها في رسالة واحدة بس يا أمل، الغريب