انتقام ام في الجنازه حكايات صافي هاني
في جنازة ولادي التوأم، والتوابيت الصغيرة قدامي، حماتي قربت مني ووشوشت في ودني ربنا خدهم عشان عارف إنتي أم شكلها إيه.
قلبي اتخلع وبكيت وقلت لها ممكن تسكتي.. بس النهاردة؟
ساعتها غدرت بيا خبطت راسي في التابوت وهمست اخرسي خالص، وإلا هتحصليهم.
بس اللي حصل بعد كدة.. محدش كان يتوقعه.
أول مرة فكرت فيها في الانتقام، كنت واقفة بين تابوتين صغيرين، حجمهم أصغر من حضني. المرة التانية كانت لسه بصمة إيد حماتي معلمة على خدي.
ريحة الكنيسة كانت مليانة بورد الزنابق ومية المطر والخشب المتلمع. ولادي التوأم، نوح وليلى، نايمين في توابيت بيضا مش أكبر من شنط السفر، وأساميهم محفورة بالدهب ومنورة بزيادة على أطفال مالحقوش يشوفوا الدنيا.
أنا منمتش من أربع أيام. فستاني الأسود بقى واسع عليا من كتر ما خسيّت، وكل نَفَس باخده بيجرح صدري.
جنبي، جوزي دانيال باصص في الأرض كأن الحزن فضّاه من جوه. وعلى الناحية التانية حماتي مارجريت، لابسة برنيطة سودة بطرحة، عينيها ناشفة، وواقفة مفرودة كأنها ملكة الدراما.
الناس كانت بتوشوش إنها ست قوية.. بس أنا كنت عارفة الحقيقة.
ميلت عليا، وريحة برفانها خنقتني، وقالت بصوت واطي ربنا خدهم عشان عارف إنتي أم شكلها إيه.
الكلمات دخلت في قلبي زي الإزاز المكسور.
لفيت لها ببطء وقلت ممكن تسكتي.. بس النهاردة؟
الجو في الكنيسة اتجمد.
وش مارجريت اتخشب، وفجأة ضربتني بالقلم.
قلم قوي.
راسي حدفت لورا، وقبل ما ألحق أصلب طولي، مسكت دراعي وزقتني في تابوت نوح. راسي خبطت في طرف الخشب، وسمعت حد من اللي واقفين ورا بيصوت.
مارجريت وطت على ودني وهي بتبتسم للناس اللي بتعزي وقالت اخرسي خالص.. وإلا هتحصليهم.
دانيال أخيراً رفع عينه.
بس مابصلهاش هي.. بص لي أنا.
وقال بصوت ميت خلاص يا كلير.. مش عايزين فضايح.
في اللحظة دي، حاجة جوايا انكسرت تماماً.
بقالهم شهور بيقولوا عليا مهزوزة.. ضعيفة.. ومجنونة. لما التوأم تعبوا، مارجريت قالت للدكاترة إني بأفور. ودانيال مضى على أوراق كنت تعبانة لدرجة إني مقدرتش أقراها. وبعد وفاتهم، كان بيلف في البيت يجمع الملفات، وعِلب الدوا، وأوراق التأمين.
أنا كنت شايفة كل ده.. ومركزة في كل تفصيلة.
ركبي كانت بتترعش، بس عقلي فاق. ضغطت بإيدي على الجرح اللي في راسي وبصيت للتابوت اللي فيه ابني.
مارجريت افتكرت إن الحزن كسرني.
ودانيال افتكر إن الذنب هيخليني أسمع الكلام.
محدش فيهم كان يعرف إني قبل الجواز، وقبل ما أبقى أم، وقبل ما أبقى الست اللي بيتنمروا عليها على العشا، كنت بشتغل في قضايا النصب الجنائي في مكتب النائب العام.
محدش فيهم يعرف إن لسه ليا أصحاب هناك.
ومحدش فيهم شاف الكاميرا السودة الصغيرة المستخبية
نزلت عيني في الأرض.
سبتهم يفتكروا إني انكسرت.
وفي الوقت اللي مارجريت كانت بتمثل فيه إنها بتعيط، همست لولادي اللي ماتوا ماما سمعتها.. وماما هتاخد حقكم.
الجنازة خلصت، والكل رجع بيته، بس أنا مكنتش راجعة لبيتي.. أنا كنت راجعة لساحة معركة هما لسه ميعرفوش عنها حاجة.
طول الطريق في العربية، مارجريت كانت بتطبطب على إيد دانيال وبتمسح دموع وهمية، وبتبص لي من تحت الحجاب بنظرة نصر، كأنها بتقول لي خلاص، شيلناكي من اللعبة. ودانيال كان سايق وهو ساكت تماماً، رافض حتى يبص في عيني.
أول ما دخلنا البيت، مارجريت قالت بصوت ناعم دانيال حبيبي، اطلع ارتاح، أنا هخلي بالي من كلير.. الغلبانة شكلها فقدت أعصابها تماماً.
دانيال طلع من غير ولا كلمة. مارجريت لفت لي، والوش الملائكي اختفى تماماً. مسكتني من فكي بقوة وقالت الفيلم اللي عملتيه في الكنيسة ده مش هيتكرر. الصبح، دانيال هيمضي على ورق نقلك للمصحة النفسية.. إنتي خطر على نفسك يا حبيبتي، والكل شاف ده النهاردة.
ضحكت.. ضحكة خفيفة خلت جسمها يتنفض.
بتضحكي على إيه يا مجنونة؟
طلعت الموبايل من شنطتي، وفتحت الأبلكيشن المتصل بالبروش. الفيديو كان واضح جداً.. صوتها وهي بتقول ربنا خدهم عشان عارف إنتي أم شكلها إيه، وقلمها اللي نزل على وشي، وزقتها ليا في التابوت،
وشها بقى لونه أزرق. إنتي فاكرة إن ده هينقذك؟ دانيال معاه تقارير طبية إنك مهلوسة، ومحدش هيصدقك.
قلت لها بهدوء التقارير اللي دانيال جمعها؟ قصدك الأدوية اللي كنتوا بتحطوها لي في الأكل عشان أبقى دايخة ومسطولة؟ أنا مكنتش برميها يا مارجريت.. أنا كنت بحوشها وبحللها. وعارفة كمان إيه؟ بوليصة التأمين اللي دانيال عملها للولاد قبل وفاتهم بشهر.. والتحويلات اللي تمت لحسابك من شركة التأمين الأسبوع اللي فات.. كلها معايا.
بدأت تترعش إنتي بتقولي إيه؟
في اللحظة دي، دانيال نزل من فوق، بس مكنش طالع ينام. كان ماسك شنطته.
بصيت له وقلت قول لها يا دانيال.. قول لها إنك مكنتش بتمضي الورق عشان تخبيني.. إنت كنت بتمضي عشان خايف منها هي كمان.. بس الفرق بيني وبينك، إن أنا مبيخافش.
فتحت الباب، ولقيت اتنين رجالة واقفين بره.. زمايلي القدام من مكتب النائب العام.
سيادة المستشار.. الفيديو والملفات والتحاليل اتبعتت على إيميل المكتب من عشر دقايق.
مارجريت حاولت تصرخ، بس الصوت مكنش طالع. ودانيال انهار على الكرسي وهو بيعيط.. المرة دي بجد، بس مش على ليلى ونوح.. كان بيعيط على نفسه.
قبل ما يخرجوا بمارجريت وهي مكلبشة، ميلت على ودها وهمست بنفس طريقتها
المرة دي، إنتي اللي هتحصليهم.. بس في المكان اللي تستحقيه.
خرجت من البيت،