كشف كذبة العيله حكايات صافي هاني
الساعة 2 الصبح، أختي انهارت قدام باب بيتي بعد ما أمي بعتتلها رسالة سمّ.. فطلبت الإسعاف وكشفت أكبر كذبة في عيلتنا المثالية.
الساعة 207 الصبح، خبط الباب كان مرعب، كأن فيه حد بيحاول يهرب من تابوت. صحيت وقلبي بيدق بجنون، جسمي حس بالخطر قبل عقلي ما يستوعبه. أوضتي كانت ضلمة تماماً، مفيش غير النور الأزرق بتاع المنبه وشوية ضوء من شوارع بوسطن داخلين من ورا الستائر. للحظة افتكرت إنه كابوس، بس الخبط رجع تاني.. تلات خبطات عنيفة هزت القفل وخلت البرواز اللي فوق التسريحة يترعش على الحيطة.
أنا عايشة لوحدي، والستات اللي بيعيشوا لوحد القارة بيتعلموا يفرقوا بين الخبطات.. الجار السكران بيخبط باستهتار، عامل الدليفري بيخبط مرة ويمشي، والمجرم غالباً مبيخبطش أصلاً.
بس الخبط ده كان مختلف.. ده كان خبط يأس.
مسكت موبايلي، وصوباعي جاهز يدوس على رقم الطوارئ، ومشيت حافية في الطرقة. الخبط وقف، وسمعت صوت عمري ما هنساه صوت جسم بيتسحب ويقع ورا الباب.
أرجوكي، صوت همس.
دمي اتجمد في عروقي. بصيت من العين السحرية وشفت خيال مرمي تحت كشاف الممر، إيد ضاغطة على الباب بضعف كأنها استهلكت آخر ذرة طاقة عشان توصل. في الأول مشفتش غير شعر منكوش، وكابيشو رمادي، ووش شاحب زي الشمع.
بعدين رفعت راسها.. عيون أختي الصغيرة كانت بتبصلي.
هايلي؟
فتحت الأقفال بسرعة لدرجة إن السلسلة جرحت صوابعي. أول ما فتحت الباب، هايلي ميتشل اللي عندها 24 سنة ووزنها ميجيش 40 كيلو وقعت في حضني.
ريحتها كانت مطر وعرق ومطهر مستشفيات وخوف.
كاس، قالتها بصعوبة، كأن النفس طالع من رئة مخرومة، مكنتش عارفة أروح فين.
ركبها خانتها، سندتها بقوة، إيد تحت كتفها وإيد حول وسطها.. اتصدمت من ملمس جسمها، هايلي طول عمرها رفيعة بس المرة دي كانت عبارة عن عضم متغطي بهدوم..
إيه اللي حصل؟ سألتها وأنا بسحبها لجوه، هايلي، بصيلي.. إيه اللي جرالك؟
حاولت ترد بس شفايفها كانت بتترعش، وجلدها كان بيحرق من السخونية.. حمى شديدة.
نيمتها على الكنبة، كشت في نفسها فوراً كأنها مستنية حد يضربها. كانت لابسة فردة كوتشي، والفردة التانية جزمة طبية قديمة ومقطوعة. وإيديها كانت متبتة في شنطة ضهر صغيرة كأن فيها كل اللي فاضل لها في الدنيا.
موبايلي رن على الترابيزة.
بصيت لقيت الاسم اللي حكم طفولتي.. ماما.
الرسالة ظهرت على الشاشة
لو البنت المعتوهة دي ظهرت عندك، إياكي تساعديها.
نفسي انقطع.
رسالة تانية وصلت
هي اللي اختارت طريقها.. رجعيها قبل ما تدمر حياتك أنتي كمان.
فضلت باصة للكلام لحد ما عيني زغللت. أمي، ساندرا ميتشل، الست اللي كانت بتعمل حلويات للكنيسة وبتكويلي لبسي وبكت لما دخلت الجامعة، بتوصف بنتها إنها معتوهة.
هايلي طلعت صوت مخنوق، بصيت لها لقيت عينيها بتتحرك يمين وشمال وتايهة.
قالوا.. همست، قالوا محدش هيصدقني.
إيدها سابت الشنطة، ووقعت منها ازايز دواء على السجادة. لميتهم.. الاسم كان اسم هايلي، بس الأدوية مكنتش منطقية. مسكنات قوية، أدوية ذهان.. حاجات عمري ما سمعتها بتجيب سيرتها، وحاجات ملهاش علاقة بالرواية اللي أهلي كانوا بيحكوها لي سنين.
بتمثل، أمي كانت بتقول دايماً.
بتموت في لفت الانتباه، أبويا كان بيأكد.
أختك محتاجة معاملة ناشفة يا كاساندرا، متضيعيش وقتك مع حد رافض يساعد نفسه.
بس هايلي قدامي مكنتش بتمثل، كانت بتتحرق من السخونية وجسمها بيتنفض وسنانها بتخبط في بعض.
الموبايل رن تاني.
أبوكي بيكلم المحامي.. متعمليش أي تصرف غبي.
لمدة تلات ثواني مرعبة، سمعت صوت أهلي في دماغي.. يمكن هايلي مأفورة؟ يمكن هربت وهي مش واعية؟
بعدين أختي قطعت النفس.. عينيها اتقلبت
في اللحظة دي، آخر ذرة طاعة في قلبي لأهلي ماتت.
مسكت الموبايل، كنسلت على أمي، وطلبت الطوارئ.
أختي غايبة عن الوعي، وسخنة جداً، وشكلها متخدرة.. ابعتوا إسعاف فوراً.
وأنا راكعة جنبها وماسكة إيدها اللي زي النار، استوعبت حقيقة قطعت قلبي نصين
أنا قضيت حياتي كلها بحاول أكون البنت اللي أهلي عاوزينها..
وأختي قضت حياتها كلها بتحاول تنجو منهم.
الإسعاف وصلت بعد 8 دقائق، مع إنهم كأنهم دهر. المسعفين دخلوا وبدأوا يسألوا أسئلة مكنتش عارفة أرد عليها.
بتاخد أدوية إيه؟
مش عارفة.
السخونية بدأت من إمتى؟
مش عارفة.
عندها حساسية من حاجة؟
المفروض أكون عارفة.. أنا أختها، المفروض أكون عارفة!
المسعفة بصت لي بهدوء وقالت دلوقتي، إحنا محتاجين بس اللي تعرفيه.
اللي أعرفه إن هايلي جت من شيكاغو لبوسطن لوحدها في نص أكتوبر. اللي أعرفه إن أهلي حذروني منها. واللي أعرفه إنها شكلها هربانة من زنزانة.
ركبوا لها ماسك أكسجين ومحاليل وشالوها على النقالة. وهي خارجة، فتحت عينيها لثانية وهمست متحليش حد ياخدني.
قلتلها مش هسمح بكده.
مكنتش عارفة الوعد ده هيكلفني إيه..
المسعفين أخدوها ونزلوا، وأنا نزلت وراهم ببيجامتي وشبشبي، مش شايفة قدامي غير النور الأحمر والأزرق بتاع الإسعاف وهو بيضرب في حيطان الممر. ركبت معاهم ويدي مش راضية تسيب إيدها.
طول الطريق، الممرضة كانت بتحاول تسيطر على الرعشة اللي في جسم هايلي. وأنا؟ أنا كنت في عالم تاني. طلعت الموبايل وبدأت أصور إزايز الدوا اللي وقعت منها، وصورت رسايل أمي سكرين شوت.. كنت حاسة إن الرسايل دي هي جثة الجريمة اللي عيلتي ارتكبتها.
أول ما وصلنا المستشفى، أخدوها طوارئ ودخلوا بيها على جوه، ومنعوني أدخل. قعدت في الكراسي البلاستيك الزرقاء، ريحة
رديت وصوتي كان ميت أيوه يا بابا.
صوته كان هادي زيادة عن اللزوم، الهدوء اللي بيسبق العاصفة كاساندرا، أنا ووالدتك عرفنا إنك طلبتي الإسعاف. ده تصرف طفولي هيحطنا كلنا في موقف وحش. المحامي بتاعنا في الطريق ليكي، متفتحيش بوقك بكلمة مع الدكاترة لحد ما يوصل.
هي بتموت يا بابا، قلتها وأنا سناني بتصك. أختي بتموت وهي لابسة فردة جزمة واحدة وشبه الهيكل العظمي، وأنت كل اللي هامك شكلك قدام الناس؟
رد ببرود أنتي مش فاهمة هي عملت إيه.. هي مريضة وبتأذي نفسها عشان تلبسنا تهمة. اسمعي الكلام يا كاس، مش عاوز أخسرك أنتي كمان.
قفل السكة في وشي.
قعدت مكاني، وجسمي كله بيترعش. بصيت في الشنطة الصغيرة بتاعة هايلي اللي كانت لسه في إيدي. فتحت السوستة ببطء.. مكنش فيها هدوم.
كان فيها ملفات.. تقارير طبية، صور قديمة لأختي وهي عندها كدمات في أماكن غريبة، وفلاشة صغيرة مربوطة بخيط أسود.
فجأة، الدكتور خرج. وشه مكنش يطمن.
أنتي أخت الحالة؟
أيوه، طمنني؟
الدكتور بص يمين وشمال، ووطى صوته إحنا سحبنا عينة دم.. الأدوية اللي كانت بتاخدها مش مجرد أدوية غلط، دي تركيبة بتخلي الواحد فاقد الإرادة، زي ما نكون بنمحي ذاكرته أو بنهد كيانه العصبي. والأسوأ من كده، لقينا تحت الجلد في دراعها جهاز تتبع صغير جداً.. مغروز جراحياً.
قلبي سقط في رجلي. جها تتبع؟ مين يعمل كده في بنته؟
قبل ما أنطق، شفت من بعيد راجل لابس بدلة غالية وماشي بخطوات واثقة في ممر المستشفى.. ستانلي، محامي بابا.
بصيت للدكتور وقلتله بسرعة متقولش للراجل اللي جاي ده أي حاجة. أختي في خطر، والناس اللي المفروض يحموها هما اللي بيطاردوها. أرجوك، انقلها لغرفة تانية وسجلها باسم مستعار.. حالاً!
الدكتور استغرب، بس