قلق الام وخوف الابنه حكايات صافي هاني

لمحة نيوز

لمشاعرها وتكذيبه لوجعها لحد ما البنت لقت أكل شعرها هو الطريقة الوحيدة اللي بتفرغ بيها توترها وخوفها منه من غير ما حد يحس.
بصيت لها من ورا قزاز أوضة الأشعة، كانت نايمة وضعيفة أوي، الزعبوط اللي كانت دايما لابساه مكنش عشان الموضة، ده كان عشان تخبي الفراغات اللي بدأت تظهر في شعرها من كتر ما كانت بتشده وتأكله وهي بتعيط في ضلمة أوضتها.
مسكت تليفوني، لقيت ٥ مكالمات فائتة من مارك. إيدي اترعشت، بس المرة دي مكنش خوف.. كان غضب. غضب على سنين السكوت، وعلى بنتي اللي كانت بتضيع قدام عيني وأنا مصدقة إن الأب دايما أدرى.
مسحت دموعي وبصيت للدكتور وقلت له بجمود إعمل الجراحة فوراً يا دكتور، وأي ورق محتاج إمضاء أنا اللي همضي بصفتي والدتها.
فتحت الموبايل وبعت لمارك رسالة واحدة بنتك في العمليات بسببك.. ما تجيش المستشفى، هايلي مش عايزة تشوفك، وأنا كمان.
قعدت قدام باب العمليات، لأول مرة أحس إني قوية، ولأول مرة أفهم إن الحاجة اللي كانت جواها مكنتش بس كتلة شعر، كان صرخة مكتومة بقالها سنين، والنهاردة بس قررنا نخرجها للنور.
مرت الساعات قدام باب العمليات كأنها سنين. كنت قاعدة وحيدة، بس لأول مرة محستش بالخوف اللي كنت بحس بيه وأنا جنبه. الممرضات داخلين وخارجين،
وأنا عيني مش مفارقة الباب، بدعي ربنا إنها تقوم بالسلامة، وإن دي تكون آخر وجيعة لقلبها.
بعد فترة، خرج الدكتور وهو بيقلع الكمامة، ملامحه كانت أهدى بكتير. قرب مني وطمني الحمد لله، العملية نجحت. شلنا الكتلة كلها، ولحقنا الأمعاء في آخر لحظة قبل ما يحصل تسمم. هي دلوقتي في الإفاقة، وتقدروا تشوفوها الصبح لما تفوق تماماً.
أخدت نفس طويل، كأن جبل انزاح من فوق صدري. روحت قعدت في الكرسي اللي جنب سريرها في الأوضة، كانت لسة تحت تأثير البنج، وشها هادي، مفيش التشنج ولا الخوف اللي كان مرسوم عليه بقاله شهور.
الفجر بدأ يشقشق، ولقيت الباب بيخبط براحة. قلبي انقبض، افتكرته مارك جه رغم تحذيري. قمت وقفت بجمود وجهزت نفسي للمواجهة، بس لما فتحت لقيت سارة صاحبتها الأنتيم، كانت بتعيط وماسكة شنطة المدرسة بتاعتها.
سارة همست لي طنط، أنا عرفت إنكم هنا من الجروب بتاع المدرسة.. أنا أسفة إني مخبية عليكي، بس هايلي كانت بتحلفني كل يوم ما أقولش. هي كانت بتعمل كدة عشان مابقتش قادرة تستحمل خناق طنط مارك وضغطه عليها. كانت بتقول لي إن الوجع اللي في بطنها أهون بكتير من الكلام اللي بيسمعهولها كل يوم.
في اللحظة دي اتأكدت إن اللي حصل ده درس ليا قبل ما يكون ليها. إن السكوت على القسوة
جريمة، وإن حماية ولادنا بتبدأ من إننا نكون ليهم السند مش مجرد خيال في البيت.
الصبح، هايلي بدأت تفتح عينيها. بصت حواليها بتوهان، ولما عيني جت في عينها، أول حاجة عملتها إنها دورت على إيدي ومسكتها.
سألتني بصوت مبحوح هو جه؟
قلت لها وأنا ببوُس راسها لا يا حبيبتي، مفيش حد هيقرب منك ولا هيوجعك تاني.. إحنا هنبدأ من جديد، أنتي وأنا وبس.
ابتسامة خفيفة أوي اترسمت على وشها، ابتسامة مكنتش شفتها من سنين. عرفت إن الطريق لسة طويل، وإنها محتاجة علاج نفسي وجلسات عشان تتخطى اللي مرت بيه، بس المهم إن الحاجة اللي كانت خنققاها من جوه مابقتش موجودة، لا في جسمها ولا في حياتنا.
بعد كام يوم، بدأت هايلي تسترد عافيتها، ولأول مرة من شهور شفتها بتطلب أكل وتخلصه للأخر من غير ما وشها يقلب ألوان. الدكتور أدلر كان بيجي يطمن عليها، وكان دايما بيبصلي بنظرة فيها احترام كأنه عارف القرار الصعب اللي أخدته.
مارك مابطلش يتصل، رسايله كانت في الأول كلها زعيق واتهامات إني خربت البيت وإني مجنونة، وبعدين بدأت تتحول لنبرة هادية فيها تمثيل لدور الضحية. بس أنا كنت خلاص، الجدار اللي كان بانيه حوالينا اتهد، ومبقتش قادرة أشوف غير وش بنتي وهي بتتنفس براحة.
في يوم الخروج من المستشفى،
هايلي كانت قاعدة على السرير بتلم حاجتها، بصتلي وقالت ماما، أنا مش عايزة أرجع البيت هناك.
قعدت جنبها ومسكت إيدها ولا أنا يا هايلي. أنا حجزت لنا في شقة صغيرة تبع خالك، بعيد عن أي دوشة. هنقعد هناك فترة، نهدي أعصابنا، ونبدأ نتابع مع دكتورة نفسية شاطرة عشان نرجع هايلي اللي كانت بتحب التصوير والكورة.
بنتي بصتلي بعين مدمعة، بس المرة دي كانت دموع راحة مش خوف.
قالتلي أنا كنت فاكرة إنك مش شايفة، كنت فاكرة إن مفيش حد هيصدقني أبداً.
رديت عليها بقوة أنا شفت، وتأخرت، بس مش هسمح لثانية وجع تانية تسرقك مني.
واحنا خارجين من المستشفى، شفت مارك واقف عند البوابة البعيدة، باين عليه التعب والارتباك. هايلي استخبت ورا ظهري وشدت على إيدي. وقفت مكاني وبصيت له نظرة أخيرة، نظرة مفيش فيها عتاب ولا غل، فيها بس نهاية. هو حاول يقرب، بس أنا رفعت إيدي بحزم، وركبنا التاكسي ومشينا.
في الطريق، هايلي طلعت كاميرا صغيرة كانت معاها في الشنطة، وصورت الشجر وهو بيجري ورا الشباك. بصتلي وابتسمت، ولأول مرة من سنين، حسيت إن الهوا اللي داخل صدري نضيف، وإن بنتي بجد رجعت، مش بس من العملية، لا.. رجعت للحياة.
عدى أول شهر لينا في بيتنا الجديد، الشقة كانت صغيرة وبسيطة بس كانت مليانة هدوء
مكنتش أعرف إنه موجود
تم نسخ الرابط