خيانة الاهل في الكريسماس حكايات صافي هاني
الشتوية اللي رجعت فيها أخيراً.
أول حاجة لاحظتها بعد 11 شهر برا لبنان، هي إن هدوء الشتا في بيروت كان غريب، خصوصاً لما ودنك تتعود إن مفيش حد بيصرخ وينادي على جراح كل دقيقة.
التلج كان مغطي مدخل بيت أهلي في الجبل، وأنوار الكريسماس الهادية كانت منورة على القرميد بنفس الشكل اللي متعود عليه من وأنا مراهق، بس السنة دي كل حاجة كانت غريبة، لأن الخدمة في مناطق النزاع بتغير الطريقة اللي بتحس بيها بالسكوت جوه صدرك. شنطتي كانت تقيلة على كتفي وأنا نازل من العربية ال SUV، شايل تعب، وتقارير طبية، وبدل عسكرية باهتة، وذكريات تكفي إنها تطير النوم من عيني لشهور.
بس كل ده مكنش مهم.. المهم إني أخيراً رجعت عشان أشوف بنتي.
أنا اسمي دكتور ياسين، عندي 41 سنة، قضيت سنة تقريباً في وحدة طوارئ عسكرية برا، كانت أيامي كلها ريحة مطهرات وعفرة وماكينات حرارتها عالية، وخوف متداري في صورة انضباط. أغلب الليالي كانت بتضيع في عمليات طوارئ وإنذارات مابتخلصش، حتى مكالمات الفيديو مع بنتي كانت بتهنج وهي بتضحك بسبب شبكة الأقمار الصناعية اللي بتقطع في نص أهم الكلام.
بنتي اسمها ليلى.
تمت 11 سنة وأنا مسافر.
قبل ما أسافر، قعدت على تربيزة المطبخ في بيت أهلي ومعايا ورق قانوني كتير، وأمي وقتها وعدتني
بعد ما مراتي اتوفت فجأة من أربع سنين، ليلى بقت هي محور حياتي كله، لدرجة إن فراقها عشان السفر كان كأني بقطع حتة من جسمي. ولأني واثق في أهلي، رتبت إني أحول مبلغ شهري لحساب والدي ووالدتي قبل ما أمشي.
ألفين دولار كل شهر.
مش عشان رفاهية البيت.
ولا عشان أي حد تاني.
عشان ليلى وبس.
استخدموا الفلوس دي في لبسها، أكلها، مدرستها، دروسها، أعياد ميلادها.. أي حاجة تحتاجها، ده اللي قلته بوضوح وأنا بزق الورق على التربيزة قبل ما أسافر، مش عايزها تشيل هم أي حاجة وأنا مش موجود.
أمي طبطبت على إيدي بحنان وعينها كانت مليانة عاطفة وقالت لي يا ياسين يا حبيبي، دي حفيدتنا، مفيش داعي تشرح لنا كل ده. وقتها صدقتها تماماً.
ليلة العيد، دخلت من الباب وأنا شايل تليسكوب في علبته تحت دراعي، وريحة القرفة والدفا كانت مالية المكان. الشجرة كانت بتنور جنب الدفاية، ومزيكا جاز هادية شغالة، نفس المشهد العائلي اللي كنت بحلم بيه في الليالي اللي مكنتش بنام فيها وأنا مغترب.
وفجأة ليلى جرت عليا من الممر.
بابا!
رسمت حضن جامد لدرجة إن نفسي انقطع، فضلت
مش قصيرة.. خفيفة.
لما بعدت عني وهي بتضحك تحت الأنوار، بدأت التفاصيل تضرب في وشي واحدة ورا التانية بدقة مرعبة. كمام بلوفرها كانت قصيرة بشكل غريب عن معصم إيدها. كوتشيها كان مقطوع من قدام. والجلد اللي تحت عينيها كان باهت وتعبان، مش زي ما سبتها حيوية ومنورة.
في الناحية التانية من الصالة، كان أبويا بيقطع الديك الرومي، ومروة بترص الحلويات جنب ابنها سيف اللي عنده 16 سنة، وكان قاعد بيلعب بتركيز على لاب توب جديد براند لسه بيلمع تحت النجفة.
كلهم كان شكلهم مرتاح.. وده أكتر حاجة قلقتني.
حافظت على هدوء صوتي، لأن سنين شغل الطوارئ علمتني إن الأسئلة الهادية بتكشف الحقيقة أكتر من الزعيق.
قلت لليلى براحة يا حبيبتي، قوليلي، ال 2000 دولار اللي كنت ببعتهم كل شهر كانوا بيكفوكي؟
بربشت بعينيها ببطء، وعلامات الحيرة ظهرت على وشها.
فلوس إيه يا بابا؟
الأوضة اتغيرت في ثانية.
أبويا وقف تقطيع الأكل فجأة.
وش أمي هرب منه الدم في لحظات.
مروة وقعت البسكوت اللي في إيدها على الأرض ونزلت تجيبه بسرعة مبالغ فيها.
معدتي وجعتني وأنا ببص لليلى تاني الفلوس اللي
هزت راسها ببطء وقالت بصوت واطي تيتة قالت إن الفلوس كانت قليلة السنة دي.. وقالت إن الجمباز غالي أوي وأنت مسافر، وعمتو مروة قالت إننا لازم نوفر في العيد عشان شغل السفر مبيقبضش كتير.
عيني راحت تلقائياً للاب توب الغالي اللي مع سيف.. وجنبه كان فيه وصل من محل إلكترونيات.
2347 دولار.
أمي استجمعت شجاعتها وقالت ياسين، متهيألي ده مش وقت الكلام ده.
تجاهلتها تماماً.
ليلى يا حبيبي، اطلعي هاتي الجاكت بتاعك.
أبويا قرب مني والتوتر مالي المكان يا ابني، خلينا نهدى ونناقش الموضوع بالعقل.
رديت ببرود هناقشه.. وقريب أوي كمان.
في اللحظة دي، حد خبط على الباب.
أمي اتنفضت قبل ما الخبطة التانية تيجي.. رد فعلها أكد لي كل حاجة.
فتحت الباب والهوا الساقع بتاع الجبل دخل البيت مع شخصين واقفين بره. الأول كان المحامي بتاعي أستاذ عصام ومعاه شنطة جلد. والتانية كانت محققة من حماية الطفل اسمها أستاذة هناء.
سمعت مروة ورايا بتوشوش بكلام باين فيه الرعب.
وسعت لهم المكان ودخلوا.
قلت وأنا باصص لأهلي أنا طلبت من عصام يقابلني هنا النهاردة لأني كنت حاسس إن فيه حاجة غلط وأنا مسافر.. ودلوقتي عرفت هي إيه بالظبط.
أستاذة هناء