حقيقة هاني والحريق حكايات صافي هاني
بوليس ولا أهله ولا موسيقى حفلة تخرج، كان مجرد راجل مكسور قدام ست اتعلمت تعيش بوجعها.
قالي بصوت واطي أنا مش جاي أطلب سماح، أنا بس كنت عاوز أشوفك وانتي ناجحة كدة.. الجواب اللي قطعتيه زمان، كان فيه جملة مكملتهاش.. أنا لما ولعت النار مكنتش قاصد، بس لما رقصت معاكي كنت قاصد كل ثانية.
بصيت له بكل هدوء، الهدوء اللي بييجي بعد العاصفة، وقولتله عارف يا هاني.. النار اللي ولعتها زمان هي اللي خلتني الست القوية اللي قدامك دي. النار بتسيّح الدهب عشان تطلعه نقي، وأنا بقيت أنقى وأقوى من غيرك ومن غير شفقتك.
سبته ومشيت من غير ما ألتفت ورايا. مكنتش محتاجة أسمع منه أكتر من كدة، ولا محتاجة اعتذارات تانية. القصة مخلصتش لما هو دخل السجن، القصة خلصت النهاردة لما شفته ومحستش تجاهه بأي حاجة.. لا كره ولا حب، مجرد شخص غريب ملوش مكان في مستقبلي.
روحت مكتبي، وفتحت اللاب توب بتاعي، وبدأت أصمم غلاف لرواية جديدة.. الغلاف كان لوش ست نصه حروق ونصه التاني بيلمع زي النجوم، وتحتها عنوان واحد بالعريض الناجية من الرماد.
دي كانت طريقتي
بعد سنين، الناجية من الرماد مابقتش مجرد رواية أو غلاف صممته، دي بقت حركة ملهمة لبنات كتير زيا. عملت معرض فني عرضت فيه صور لشخصيات الندبات اللي في جسمهم محفرورة بالذكاء الاصطناعي كأنها لوحات مرسومة بالدهب.. كنت عاوزة أوصل فكرة إن الكسر ممكن يتصلح بطريقة تخليك أغلى وأجمل.
في ليلة افتتاح المعرض، لقيت باقة ورد بيضا محطوطة عند المدخل، ومعاها كارت صغير مكتوب فيه الورد ده عشان النجاح اللي أنتي صنعتيه من وسط النار.. مبروك يا صاحبة أقوى قلب.
مادورتش مين اللي بعتها، ومفرقش معايا لو كان هاني أو غيره.. لأن الورد النهاردة كان ليا أنا، ل صافي اللي قدرت تبني نفسها من أول وجديد.
دخلت القاعة والأنوار كلها عليا، مكنتش مدارية وشي بشعري زي زمان، كنت رافعة راسي وفخورة بكل خط وتجعيدة سابتها النار.. مكنتش شايفة في عيون الناس شفقة، كنت شايفة انبهار.
واحدة من البنات الصغيرين
نزلت لمستواها وابتسمت لها وقولت أنتي أجمل بكتير يا حبيبتي، النار مابتغيرش الحقيقة، هي بس بتكشف المعادن الأصيلة.. خليكي دايما فاكرة إن قصتك لسه بتبدأ، وأنتي اللي معاكي القلم.
دي كانت النهاية الحقيقية.. مش إن المجرم يتعاقب، ولا إن الماضي يتمسح، لكن إنك تحول الوجع لطاقة تنور بيها طريق غيرك. مشيت في وسط القاعة وأنا حاسة بسلام داخلي ملوش وصف، وكأن الحريقة اللي بدأت من سنين طويلة، انطفت تماماً النهاردة.
عدت الأيام وبقيت أشهر مصممة في مجالي، وفي يوم جالي عرض إني أشارك في مؤتمر عالمي عن الجمال غير التقليدي. وقفت على المسرح قدام مئات الأشخاص، ومن وسطهم لمحت وش مألوف جداً.. كانت والدة هاني.
كانت قاعدة في آخر القاعة، ملامحها كبرت وتعبت، وأول ما عيني جت في عينها، نزلت راسها في الأرض. بعد ما خلصت كلمتي ونزلت من على المسرح، لقيتها مستنياني عند المخرج.
قربت مني وهي بتترعش وطلعت علبة صغيرة من شنطتها وقالتلي
فتحت العلبة، لقيت فيها دبوس فضة على شكل طائر الفينيق اللي بيطير من وسط النار.. ومعاه ورقة صغيرة مكتوب فيها أنتي مكنتيش محتاجة رقصة عشان تبقي ملكة، أنتي كنتي ملكة وأنا اللي كنت محتاج الرقصة دي عشان أتعلم يعني إيه شجاعة.
بصيت للست العجوزة وابتسمت بهدوء، ورجعت لها العلبة وقولت لها خديها يا طنط.. هاني محتاج الدبوس ده أكتر مني بكتير، عشان يفتكر دايماً إن الحقيقة هي اللي بتبني البني آدم مش الكدب.. أنا خلاص بقيت أطير بجناحاتي الحقيقية.
مشيت وسيبتها، ورجعت لبيتي.. دخلت أوضة ولادي، وبصيت في ملامحهم الصافية، وحمدت ربنا إن الحكاية انتهت هنا. النار اللي بدأت في مطبخ قديم زمان، مابقتش تحرقني، بقت هي اللي بتنور لي طريقي.
قفلت النور ونامت صافي وهي مطمنة، لأنها عرفت إن أعظم انتقام في الدنيا مش الحبس ولا العقاب، أعظم انتقام هو إنك تنجح وتعيش سعيد لدرجة إنك تنسى تماماً اللي وجعوك.
تمت.