سر ليلة زفاف الابنه حكايات صافي هاني

لمحة نيوز

ظلمونا.
بصيت في المراية اللي قدامي، شفت راجل عجوز مكسور، وجنبه طفلة صغيرة بملامح ملاك وقلب شيطان.. وعرفت إن ليلى ممتتش. ليلى زرعت نفسها جوايا وجوه نور، وكتبت علينا نعيش في الجحيم ده للأبد.
نور طفت النور، وقالت وهي بتبتسم في الضلمة تصبح على خير يا بابا.. بكره عندنا شغل كتير.
نور سابتني وطلعت تنام بكل برود، وأنا فضلت قاعد في الصالة وسط الضلمة، مش سامع غير صوت دقات الساعة اللي كانت بتحسسني إن عمري بيضيع في لعبة قذرة ملهش نهاية.
قمت ببطء، جسمي كله كان بيترعش.. كنت عايز أهرب، أخرج للشارع وأجري لحد ما أقع، بس رجلي سحبتني لأوضة المكتب بتاعة ليلى. فتحت الأدراج زي المجنون، كنت بدور على أي حاجة تكذب الفيديو ده، أي ورقة تثبت إنها كانت بتلعب بعقلي لآخر لحظة.
لقيت صندوق صغير مقفول بقفل قديم. كسرته بحديدة، ولقيت جواه مذكرات ليلى الحقيقية.. المذكرات اللي مكنتش عايزة حد يشوفها. بدأت أقرأ والدموع بتعمي عيني
اليوم.. بابا خرج من السجن. هو فاكر إني دمرته، بس الحقيقة إني كنت بحميه. الست اللي جت الفرح مكنتش ممرضة، دي كانت واحدة من عصابة قديمة أبويا الحقيقي كان مديون ليهم.. كانوا عايزين يبتزوني بيك وبحياتك. أنا مقتلتش حد بدم بارد، أنا كنت بنضف طريقنا عشان نعيش في أمان.
ونور.. نور مش بنته، نور بنت يتيمة أنا جبتها من نفس الملجأ اللي جيت منه، وعلمتها تقول الكلام ده عشان يفضل عنده سبب يعيش عشانه.. عشان يحس إن فيه دم بيربطه بالحياة وميفكرش ينتحر.
وقفت مكاني مذهول.. ليلى كانت بتألف قصة شريرة تانية عشان تغطي على تضحية عملتها؟ ولا ده فخ جديد؟
في آخر صفحة في المذكرات، كانت كاتبة بخط مهزوز
يا بابا.. لو قرأت ده، سامحني. كان لازم أكرهك فيا عشان لما أموت متتعذبش وراك. نور محتاجة أب.. وأنت محتاج بنت. عيشوا بسلام.
فجأة، حسيت بحركة ورايا. لفيت لقيت نور واقفة عند الباب، مكنتش ماسكة سكينة المرة دي، كانت ماسكة صورة ليا وليلى وأنا شايلها وهي صغيرة في الملجأ.
بصتلي وعينيها كانت مليانة دموع حقيقية، وقالت بصوت طفولي مهزوز
هي ماتت يا جدو؟ هي مش هترجع تاني؟
نزلت لمستواها وخدتها بكل قوتي. في اللحظة دي، مكنش مهم مين أبوها، ولا مين ليلى، ولا إيه الحقيقة وإيه الكذب. كان فيه طفلة يتيمة وراجل عجوز مكسور، والاثنين محتاجين يلم أشلاءهم.
بصيت لشباك المكتب، شفت الفجر بيشقشق.. ضوء خفيف بدأ يطرد الضلمة.
خدت نور من إيدها، وخرجنا من الفيلا اللي كانت مليانة أشباح وأسرار. سبنا كل حاجة ورا ظهرنا، المذكرات، والفيديوهات، والفلوس.. ومشينا في طريق فاضي، من
غير ما نبص ورانا.
لأول مرة من 23 سنة، محستش بالخوف ولا بالذنب. حسيت إني أخيراً.. حر. ليلى خفتت زي شمعة حرقت نفسها عشان تنور لنا طريق الهروب، وأنا ونور.. قررنا نكتب حكاية جديدة، مفيهاش دم، مفيهاش انتقام.. فيها بس إنسان بيحاول يبدأ من جديد.
مشينا كتير، والشمس بدأت تدفي كتافنا. نور كانت ماسكة إيدي بقوة، كأنها خايفة لو سابتني الأرض تبلعها. مكنش معانا غير الهدوم اللي علينا وشوية أمل لسه مش فاهمينه.
وصلنا لقرية صغيرة بعيدة عن الصخب والذكريات. أجرت بيت صغير وبسيط، يطل على أرض زراعية واسعة. مكنش فيه صور على الحيطان، ولا مرايات تعكس وشوشنا المتعبة. كان بيت فاضي، وزي ما البيت كان فاضي، بدأت أحس إن عقلي هو كمان بدأ يصفى.
نور بدأت تتغير. السواد اللي كان في عينيها بدأ يختفي، وبقى مكانه نظرة طفلة بجد.. طفلة بتلعب في الطين، وبتجري ورا الفراشات، وبتنام وهي مطمنة. مكنتش بنت ليلى ولا نسختها.. كانت مجرد نور.
وفي يوم، وأنا قاعد قدام البيت، نور جت وقعدت جنبي وقالتلي بفضول
جدو.. هو إحنا ليه جينا هنا؟
بصيت للسما وقلت لها عشان ننسى يا نور.. عشان نبتدي صفحة مفيهاش شخبطة.
قالتلي وهي بتديني وردة برية لمتها من الأرض ماما كانت بتقول إن النسيان صعب.. بس أنا معاك نسيت كل حاجة
وحشة. أنت بطل بجد يا جدو.
ابتسمت بوجع جميل. ليلى، مهما كانت الحقيقة عنها، سابتلي الرسالة الأخيرة اللي كان لازم أفهمها إن الحب هو القوة الوحيدة اللي تقدر تصلح اللي الكره دمره.
عدت السنين، ونور كبرت وبقت شابة واعية، بتدرس عشان تبقى دكتورة وتعالج الناس. وأنا بقيت عجوز، بس قلبي مكنش شايل ذرة غل واحدة.
وفي ليلة، وأنا على فراشي، ونور قاعدة جنبي بتمسح على راسي، همست لها
نور.. ليلى كانت بتحبك أوي.
نور بصتلي بابتسامة صافية وقالت وعشان كدة سابتني معاك.. عشان عارفة إنك هتعلمني إزاي أكون بني آدمة.
غمضت عيني وأنا مرتاح. الحكاية اللي بدأت بدم وحادثة، انتهت بسلام وهدوء. ليلى مكنتش الوحش، ولا كانت الملاك.. كانت إنسانة ضلت الطريق، بس في النهاية، قدرت توصلني لبر الأمان.
دي كانت آخر ليلة ليا.. مت وأنا مطمن إن نور هتكمل الحكاية، بس المرة دي.. هتكون حكاية كلها ضيا ونور.
العساكر كانوا بيبصولي بقرف، وأنا كنت بضحك.. بضحك بهستيريا.
ليلى مقتلتنيش، ليلى عملت الأبشع.. ليلى خلتني هي. خلتني الشخص المنبوذ، الوحيد، اللي ملوش حد، واللي العالم كله شايفه مجرم.. زي ما هي كانت حاسة وهي طفلة في الملجأ.
وفي اللحظة اللي العربية اتحركت بيها للسجن، وصلتني آخر رسالة منها
دلوقتي بس بقينا شبه
بعض.. نتقابل كمان 23 سنة لما تخرج.

تم نسخ الرابط