اعت

اعتراف طفله حكايات صافي هاني

لمحة نيوز

"تيتة قتلتهم! أنا قلتلهم!" صرخت البنت الصغيرة وهي بتترعش بفستانها الأسود، وشاورت بإيدها على الست اللي واقفة ساكتة ولابسة لولي، متجمدة قدام نعشين بيض صغيرين، في الوقت اللي الأم المكلومة انهارت فيه وهي مش مصدقة، والحقيقة بدأت تبان تحت السكوت التقيل بتاع دار العزاء، اللحظة دي غيرت كل حاجة للأبد، لحظة رعب كشفت كل المستور.
​أنا كنت بحب طفليّ الاتنين أكتر من أي حاجة في الدنيا، وموتهم كسرني كسر ملوش وصف. فراقهم كان حمل تقيل فوق طاقتي، وخلاني غرقانة في الحزن والوهان. بس في جنازتهم، فجأة ظهرت حقيقة مستخبية، حطمتني أكتر وخلتني في حالة ذهول تام.
​ريحة المكان كانت خليط من زهور الزنبق والمطر والخشب المتلمع.
​كنت واقفة بين النعشين الصغيرين، إيد على كل واحد فيهم، لأني مكنتش قادرة أقرر ألمس مين في ولادي الأول.
​نوح وليلي كان عندهم 6 شهور. ماتوا وهما نايمين قبل الكريسماس بتلات أيام، وكل دكتور وكل ظابط شرطة وكل تقرير اتقال بالوشوشة كان بيقول نفس الجملة: مفيش آثار عنف، مفيش إهمال، مفيش أي تفسير يبرد ناري.
​جوزي إريك كان واقف جنبي زي التمثال ببدلته

السوداء. وشه كان شاحب وعينه منزلتش من على الأرض أبدًا.
​وبعدين جت أمه.
​مارجريت لوسون دخلت القاعة بفستانها الأسود وعقد اللولي، وعلى وشها تعبير ملوش علاقة بجو الجنازات.. كانت باينة إنها غضبانة.
​مش مكسورة.. غضبانة.
​الناس وسعت لها الطريق.
​وقفت قدامي، بصت بصه سريعة على النعوش، وقالت بصوت عالي سمّع القاعة كلها: "ربنا خدهم عشان كان عارف نوع الأم اللي ليهم."
​النفس اتقطع من صدري.
​"ماما،" إريك همس بصوت واطي.
​بس مارجريت رفعت صباعها في وشه: "لأ.. الكل عمال يمثل إن دي مأساة. أنا بسميها حُكم عدل."
​حسيت بحاجة اتكسرت جوه صدري.
​أنا منمتش من تلات أيام. فضلت أصرخ لحد ما زوري جاب دم. كنت براجع في دماغي كل رضعة، كل غطا، كل نَفَس خده ولادي.
​ودلوقتي الست دي، اللي مقضياها انتقاد فيا من يوم ما اتجوزت ابنها، واقفة فوق جثث ولادي وبتسمي موتهم "عقاب".
​بدأت أعيط بهستيريا.
​"متقدريش حتى تسكتي في يوم زي ده؟" صرخت فيها.
​صدا صوتي رن في الصالة كلها.
​ملامح مارجريت جمدت. قربت مني وضربتني بالقلم بكل قوتها لدرجة وداني صرّت. وقبل ما أقدر أتحرك، مسكت راسي من
ورا وزقتني لتحت. جبهتي خبطت في خشب نعش ليلي الناعم.
​شفت فلاش أبيض من الوجع.
​"أحسن لك تسكتي،" مارجريت فحيحت في ودني، "إلا لو عايزة تحصلي ولادك هناك إنتي كمان."
​في اللحظة دي، صوفي بنتي اللي عندها سبع سنين صرخت صرخة هزت المكان.
​الكل لف وشافها.
​كانت واقفة بتترعش.
​"تيتة قتلتهم! أنا قلتلهم!" وبدأت تعيط بنحيب.
​الصمت حل على القاعة.
​مارجريت اتسمرت مكانها.
​إريك رفع راسه بالراحة.
​أنا مكنتش قادرة أتنفس: "صوفي؟"
​بنتي شاورت على مارجريت بإيديها الاتنين.
​"أنا شفتها،" صوفي بتعيط بمرارة. "صحيت وشفت تيتة في أوضة الأطفال. حطت حاجة على وش نوح وليلي. وقالتلي متقوليش لحد وإلا ماما هتمشي بعيد ومش هترجع أبداً."
​عقد اللولي على رقبة مارجريت بدأ يتهز من رعشتها.
​ساعتها إريك همس: "ماما.. هي شافت إيه؟"

اتسحب الهوا من القاعة تماماً، ومارغريت وشها قلب أبيض زي التلج. حاولت تضحك ضحكة مهزوزة وهي بتبص لإريك: "إنت هتصدق خيالات طفلة؟ دي أكيد بتحلم يا إريك.. الصدمة مأثرة عليها."
​بس صوفي صرخت وهي بتستخبى ورايا: "لأ مكنتش بحلم! تيتة كانت لابسة الجوانتي الأبيض

بتاعها، وقعدت تضغط بالمخدة على وش نوح، وليلي كانت بتتحرك وهي كتمت نفسها!"
​إريك بص لأمه نظرة عمري ما شفتها في عينه قبل كده.. نظرة رعب حقيقي. بدأ يقرب منها بخطوات بطيئة ومهزوزة: "ماما.. إنتي كنتي بتقولي إنك جيتي البيت الصبح يومها عشان تطمني علينا.. صوفي بتقول إنك كنتي هناك بالليل.. في أوضة الأطفال."
​مارغريت بدأت تتراجع لورا، وعقد اللولي بيخبط في رقبتها من كتر الرعشة: "أنا كنت عايزة أنقذك يا إريك! الست دي مكنتش هتربيك غير عيال ضعفاء زيها.. أنا كنت بنضف حياتك!"
​في اللحظة دي، مكنتش حاسة بجسمي. الألم اللي في جبهتي اختفى وحل محله نار. هجمت عليها بكل قوتي، والناس حاولت تحجزني، بس إريك هو اللي وقف قدامها.. منعني ألمسها، بس مش عشان يحميها.
​بص لها وقال بصوت ميت: "أنا اللي بلغت البوليس يا أمي.. لما لقيت الجوانتي بتاعك في سلة الزبالة بره وفيه نقطة دم من مناخير نوح.. مكنتش عايز أصدق.. قلت مستحيل تكوني عملتي كده.. بس دلوقتي صوفي نطقت."
​صوت سارينات البوليس بدأ يعلى بره دار الجنازة، والأضواء الحمراء والزرقاء بدأت تعكس على الحيطان. مارغريت وقعت
على ركبها وهي بتصرخ إنها عملت كده "عشان

تم نسخ الرابط