اعت
اعتراف طفله حكايات صافي هاني
مصلحة العيلة"، والظباط دخلوا وكتفوها وهي لسه لابسة اللولي بتاعها وسط ذهول كل الموجودين.
حضنت صوفي ووقعت قدام نعش ولادي، والحقيقة المرة كانت أصعب من الموت نفسه.. إن اللي كان مفروض تحميهم، هي اللي قتلتهم بدم بارد.
إريك مسك إيد أمه وضغط عليها بقوة وهو بيبص في عينيها مباشرة، صوته كان طالع زي فحيح الأفعى: "إنتي عملتي فيهم إيه يا أمي؟"
مارجريت حاولت تسحب إيدها وهي بتزعق برعشة: "البنت دي بتخرف! البنت دي مريضة زي أمها! أنا كنت بحميك.. كنت بنضف حياتك من الوسواس والضعف!"
في اللحظة دي، دخل اتنين من ضباط المباحث اللي كانوا واقفين برا القاعة أصلاً لمجرد تأمين الجنازة، الصراخ خلاهم يدخلوا بسرعة. صوفي جريت استخبت ورا ظابط منهم وهي بتشاور على جدتها: "هي اللي موتتهم! أنا شفتها بالمخدة!"
مارجريت وشها بقا لونه أزرق، وبدأت تبرطم بكلام مش مفهوم وهي بتبص للناس اللي بدأت تقرب منها بحالة من الغضب والذهول. وفجأة، إريك ساب إيدها وطلع من جيب بدلتة "كيس بلاستيك" صغير فيه مناديل مبللة وعليها آثار غريبة.
"أنا لقيت دول في شنطتك يا أمي.. وانتي نايمة الصبح.. كنت فاكرهم بتوعك، بس لما صوفي اتكلمت دلوقتي.. كل حاجة نورت في دماغي."
الظابط أخد الكيس من إريك، ومارجريت أول ما شافت المناديل، انهارت تماماً ووقعت على ركبها في نص القاعة، وبدأت تصرخ بهستيريا: "مكانوش يستاهلوا يعيشوا! كانوا هيطلعوا فاشلين زيها! أنا كنت هربيهم من جديد في عيال تانية!"
القاعة اتقلبت لمجزر من الصريخ. الظباط كلبشوا إيد مارجريت وهي لسه بتضحك ضحكة مرعبة وسط دموعها، واللولي اللي على رقبتها انقطع واتنطر على الأرض زي حبات التلج.
أنا كنت واقفة مكاني، مكنتش قادرة أتحرك ولا حتى أهجم عليها. بصيت للنعشين
الظباط سحلوها برا القاعة وهي بتصرخ بجنون: "أنا مارجريت لوسون! إنتوا مش عارفين أنا مين؟ أنا أنقذت سلالة ابني!".. صوت صريخها بدأ يبعد تدريجياً مع صوت سارينات البوليس اللي غطت على كل حاجة، وسابت وراها هدوء مرعب، هدوء مسموم باللي حصل.
إريك انهار على الأرض، غطى وشه بإيديه وبدأ يتنفض من العياط المكتوم، كأنه لسه مستوعب إن أمه هي اللي قتلت حتة منه. الناس اللي كانت موجودة بدأت تنسحب بوجوه شاحبة، مكنش حد عارف يقول إيه ولا يواسي بمين.
أنا مشيت بخطوات تقيلة، خطوات حد روحه طلعت منه، لحد ما وصلت لصوفي. نزلت لمستواها، حضنتها بكل قوتي، كنت بضغط عليها كأني خايفة تتبخر هي كمان. صوفي همست في ودني وهي بتترعش: "ماما.. إنتي مش هتمشي بعيد صح؟ تيتة كانت بتكذب؟"
بست راسها وقلت لها وصوتي مكسور: "محدش هيقدر يبعدني عنك أبداً يا روح ماما.. أبداً."
قمت وقفت وبصيت لآخر مرة على النعشين الصغيرين. الحزن اللي كان جوايا مبردش، بالعكس، ده اتحول لنار بتحرق كل ذكرياتي الجميلة. بصيت لإريك اللي كان لسه واقع في مكانه، ومقدرتش أحس ناحيته بأي شفقة. سكوتك وشكوكك اللي خبيتها هي اللي ضيعت ولادنا.
طلعت من دار الجنازة وأنا ماسكة إيد صوفي، الهوا برا كان ساقع بس لأول مرة من تلات أيام أحس إني عارفة أتنفس. الحقيقة كانت بشعة، والوجع هيفضل عايش جوانا، بس على الأقل دلوقتي.. نوح وليلي يقدروا يرتاحوا بسلام، والشيطانة اللي لبست لولي عشان تداري سواد قلبها، هتقضي اللي فاضل من عمرها ورا القضبان.
بعد كام شهر، كنت قاعدة في الصالة والبيت
الباب خبط.. كان إريك.
شكله كان عجوز، كأنه كبر عشرين سنة في كام أسبوع. ملامحه كانت مطفية، ودقنه طويلة، وعينه غرقانة في الندم. وقف على الباب ومحاولش حتى يدخل، بص في الأرض وقال بصوت مهزوز: "المحكمة حددت جلسة النطق بالحكم الأسبوع الجاي.. المحامي بيقول إن اعترافاتها المسجلة وكلام صوفي كفاية جداً عشان تاخد مؤبد."
بصيت له ببرود، برود كان مخوفني أنا شخصياً: "مؤبد؟ هي قتلت روحين يا إريك. هي حرقت قلبي وقلبك."
إريك رفع عينه ليا وكانت مليانة دموع: "أنا عمري ما هسامح نفسي إني شكيت للحظة وخبية المناديل دي.. كنت خايف أطلع ظالمها، وطلعت هي الشيطانة اللي خربت بيتنا. أنا خسرت كل حاجة يا سارة.. خسرت ولادي، وخسرت أمي، وبخسرك إنتي كمان."
قربت منه خطوة واحدة، وقلت له بكلمات حادة وزي الموس: "إنت مخسرتنيش يا إريك.. إنت اللي بعتني لما سمحت لها تهيني وتدوس عليا سنين، ولما سكت وهي بتتهمني في شرفي وأمومتي قدام جثث ولادنا. إنت كنت عارف إنها مريضة سيطرة وسكت."
ساد صمت طويل، مكنش بيقطعه غير صوت الهوا اللي داخل من الشباك.
إريك نزل على ركبه وبدأ يبكي بحرقة: "أرجوكي سامحيني.. أنا ماليش غيركم."
بصيت له وفتحت الباب على آخره: "السامح عند ربنا يا إريك.. بس البيت ده مبقاش ينفع يلمنا تاني. أنا وصوفي محتاجين نبدأ في مكان مفيش فيه ريحة لمارجريت ولا لضعفك."
إريك قام ببطء، هز راسه وهو مستسلم، ومشي في الضلمة. قفلت الباب وراه، وسندت ضهري عليه. لأول مرة محسيتش بالرغبة في العياط. حسيت بقوة غريبة. دخلت أوضة صوفي، نمت جنبها وخدتها في حضني، وغمضت عيني وأنا بتخيل نوح وليلي بيضحكوا في مكان أحسن
مرت الأيام، وجه يوم النطق بالحكم. القاعة كانت زحمة، والوشوش كلها كانت بتبص لمارجريت وهي داخلة بالكلبشات. مكنتش لابسة لولي المرة دي، كانت لابسة لبس السجن الأبيض، ووشها كان خالي من أي تعبير، كأن روحها اتسحبت منها وسابت مكانها غلاف فاضي.
القاضي نطق بالحكم: "السجن المؤبد مع الشغل."
مارجريت محركتش ساكن، بس إريك اللي كان قاعد في آخر القاعة، انهار ودفن وشه بين إيديه. أنا كنت واقفة، راسي مرفوعة، وبصيت في عينيها لآخر مرة قبل ما العساكر يسحبوها لجوه. في اللحظة دي، شفت في عينيها لمحة رعب، مش ندم، لأ.. رعب من الوحدة اللي هتقضي فيها بقية عمرها.
بعت البيت، بكل ذكرياته، بكل ركن فيه كان بيفكرني باللي حصل. أخدت صوفي وسافرنا مدينة تانية بعيدة، مدينة ميعرفناش فيها حد.
في يوم، كنا قاعدين في جنينة واسعة، وصوفي كانت بتجري وبتلعب مع كلب صغير اشتريناه ليها. بصت للسما وقالتلي بفرحة: "ماما، بصي السحاب ده شبه نوح وليلي، صح؟"
ابتسمت لها بوجع بس بسلام داخلي وقلت لها: "صح يا حبيبتي.. هما دلوقتي فوق، في مكان أمان، بيشوفونا وبيضحكوا."
إريك كان بيبعت رسايل بيطمن علينا، بس مكنتش برد. مش كره، بس خلاص، الصفحة دي اتقفلت للأبد. المحامي بتاعي خلص إجراءات الطلاق، ومبقتش شايلة اسمه ولا شايلة هم وجوده.
بالليل، وأنا بفرش سرير صوفي، لقيت تحت مخدتها صورة صغيرة لنوح وليلي. مسكت الصورة وبستها، وحسيت بنسمة هوا باردة وحنينة عدت على وشي. لأول مرة من يوم الجنازة، نمت وأنا مطمنة.
الحقيقة كانت غالية، والتمن كان غالي قوي، بس في النهاية.. العدل اتحقق، وصوفي بقت بتنام من غير ما تخاف من "تيتة"، وأنا قدرت أخيراً أقول لولادي في سري: "ناموا يا حبايب ماما.