بنتي باعت البيت
بنتي كلمتني من جناح العروسة وهي فرحانة، وأنا مرمي على سرير المستشفى، لسه بدمي من أثر الحادثة. ماتجيش بكرة يا بابا.. بيتك وعربيتك اتباعوا. سلام. كان المفروض أصرخ، بس ضحكت. نسيتي حاجة واحدة يا كلارا. صوتها قلب تلج حاجة إيه؟ بصيت على الأوراق المزورة اللي على موبايلي وابتسمت، لأن البيت اللي هي باعته ده مكنش ملكي لوحدي أصلًا...
بنتي كلمتني وأنا نايم تحت كشافات المستشفى، ضلوعي متجبسة، دراعي الشمال متعلق، ودم ناشف لسه على طرف شعري. صوتها كان رايق، وتقريبًا مبسوطة، كأنها بتعلن عن رحلة مصيف.
بابا، أنا فرحي بكرة، بس ماتجيش. أه وصحيح، بيتك وعربيتك خلاص اتباعوا. باي.
لمدة تلات ثواني، مسمعتش غير صوت جهاز ضربات القلب اللي جنبي بيييب.. بيييب.
بعدها قلت ماشي يا كلارا. بس فايتك حاجة واحدة.
سكتت لحظة قصدك إيه؟
ضحكت.
مش ضحك عالي في الأول. مجرد ضحكة تعبانة ومكسورة طالعة بطلوع الروح خلت الممرضة تبص لي من ع الباب. لإن البيت اللي هي باعته ده مكنش أصلاً من حقي أبيعه.
ولا العربية كمان.
كلارا طول عمرها شيفاني ضعيف. بعد ما أمها ماتت، ربيتها لوحدي، اشتغلت ورديات ليل، كنت بحضر الفطار وأنا نص نايم، دفعت مصاريف جامعتها، وسددت ديون فيزا المشتريات بتاعتها مرتين، وكنت بعمل نفسي مش واخد بالي وهي بتبص بقرف لجاكتي القديم أو لما تقول على مكتب المحاسبة الصغير بتاعي إنه يغم النفس.
وبعدين ظهر فيكتور.
وسيم، شيك، وجعان. نوع الرجالة اللي يضحك لك بسنانه وعينه على محفظتك. في ست شهور، كلارا بطلت تزورني إلا لو محتاجة فلوس. في تمانية، بدأت تقول عليا متحكم. في عشر شهور، طلبت مني أمضي على شوية ورق روتيني عشان تساعدني أدير الأمور لو صحتي تعبت.
أنا ممضيتش على حاجة.
بس ليلتها، بعد ما لوري كسر الإشارة وعجن عربيتي زي الورق، فوقت في المستشفى اكتشفت إن بنتي استخدمت ورق مزور عشان تعرض بيتي للبيع، وتنقل ملكية عربيتي، وتسحب اللي كانت فاكراه حساب المعاش بتاعي.
نسيت إيه يعني؟ كلارا سألت بنبرة أحدّ.
كان لازم تتأكدي الأول الحاجات دي باسم مين بالظبط.
سكوت.
بعدها صوت فيكتور طلع على الخط يا راجل يا كبرة بلاش دراما. البيعة تمت. والمشترين هيستلموا يوم الاتنين. كلارا تستاهل حياة أحسن من إنها تقعد تمرض فيك.
غمضت عيني.
الوجع كان بيتحرك في جسمي زي النار، بس عقلي بقى تلج.
قلت بهدوء يا فيكتور، أنت جيت على الراجل العاجز الغلط.
ضحك وقال نشوفك بقى.. أو مانشوفكش خالص.
المكالمة انتهت.
الممرضة قربت مني يا أستاذ شاكر، أنت كويس؟
بصيت للمحلول اللي في إيدي، وبعدين للموبايل.
أيوه، قلت لها، كلميلي المحامي بتاعي.
المحامي بتاعي، أستاذ حمدي، وصل المستشفى قبل الفجر. كان وشه مخطوف وهو شايفني بالمنظر ده، بس لما ورّيته اللي كلارا عملته، ملامحه قلبت لابتسامة خبيثة.
هي بجد عملت كدة يا شاكر؟ سألني وهو بيعدل
قلت له وأنا بضغط على زرار المسكن فاكرة إنها أذكى مني، وفاكرة إن فيكتور ده السند اللي هيحميها.
حمدي طلع لابتوب وبدأ يراجع ملفات الشركة المشكلة يا شاكر إنهم مضوا عقود ابتدائية وقبضوا مقدم كبير، وفيكتور صرفه فعلاً على حجز القاعة وفستان الفرح.. هما دلوقتي في ورطة سودة.
أنا ضحكت رغم الوجع البيت ده يا حمدي باسم مؤسسة عيلة الشاذلي الخيرية من عشر سنين.. أنا مجرد ساكن فيه بصفة واصي، والورق اللي هي زورته ده لغى نفسه قبل ما يتمضي حتى.
يوم الفرح، القاعة كانت أفخم حاجة في القاهرة. كلارا كانت واقفة بفستانها الأبيض زي الملكات، وفيكتور جنبها بيوزع بتسامات يمين وشمال. وفجأة، المزيكا وقفت.
دخلت القاعة على كرسي متحرك، والممرض بيزقني. ورايا كان حمدي واتنين رجالة ببدل رسمية من قسم الشرطة.
كلارا وشها بقى أصفر بابا؟ أنت إيه اللي جابك هنا؟ وازاي خرجت؟
قلت لها بصوت هادي سمعه كل اللي حاضرين جيت أبارك لك يا بنتي.. وأقول للمشترين اللي قاعدين في أول صف دول إن الشيكات اللي مضوها لفيكتور ملهاش أي قيمة قانونية، لإن اللي باع لهم مملكش أصلاً سنتيمتر واحد في البيت.
فيكتور قرب مني وهو بيبرطم أنت بتقول إيه يا راجل يا مخرف أنت؟ الورق معايا!
حمدي طلع ورقة رسمية مختومة الورق اللي معاك مزور يا أستاذ فيكتور، وده بلاغ رسمي بالتزوير والنصب. وبالمناسبة.. العربية اللي أنت جيت بيها القاعة دلوقتي،
في لحظة، الفرح اتقلب لمناحة. المشترين بدأوا يزعقوا وعايزين فلوسهم، والبوليس بدأ يتحرك ناحية فيكتور اللي كان بيحاول يهرب من الباب الخلفي.
كلارا رمت بوكيه الورد وجريت عليا وهي بتعيط بابا.. أنا أسفة، هو اللي ضحك عليا.. هو اللي قالي نعمل كدة عشان نأمن مستقبلنا.
بصيت في عينها لأول مرة من غير شفقة أنتي بعتيني وأنا بدمي يا كلارا.. بعتي الراجل اللي كبّرك عشان واحد لسه عارفاه من كام شهر. دلوقتي فيكتور هيتسجن في قضية تزوير، وأنتي هتحصلي كشريكة.. بس متقلقيش، أنا دفعت للمحامي أتعابه عشان يدافع عني أنا بس.
شاورت للممرض يلف الكرسي ويمشي. وأنا خارج من باب القاعة، سمعت صوت الكلبشات وهي بتتقفل على إيد فيكتور وصراخ كلارا وهي بتنادي عليا، بس المرة دي.. مكنتش حاسس بأي وجع في ضلوعي.
مرّ شهر على ليلة الفرح اللي اتقلب مأتم. فيكتور لسه محبوس على ذمة قضية تزوير أوراق رسمية والنصب، والمحامي بتاعه فص ملح وداب أول ما عرف إن مفيش مليم يدفع أتعابه.
أما كلارا، فكانت محبوسة احتياطي وبعدين خرجت بكفالة على ذمة القضية، بس ملقيتش مكان تروح فيه. البيت اللي كانت فاكرة إنها باعته، رجعت المؤسسة حطت إيدها عليه بجد، وغيروا الكوالين، ومكتب المحاسبة بتاعي اتصرف في العربية القديمة وجابوا لي واحدة أحدث منها كتكريم ليا بعد السنين
كنت قاعد في مكتبي، رجلي لسه في