بنتي باعت البيت
الجبس بس عيني على الأرقام بتركيز، لما السكرتيرة قالت لي بنت حضرتك بره وطالبة تقابلك يا أستاذ شاكر.
دخلت وهي هدومها مبهدلة، وشها شاحب، وعينها وارمة من العياط. وقفت قدام المكتب وهي بتترعش
بابا.. أنا ماليش غيرك. فيكتور طلع متجوز اتنين قبل كدة وكان نصاب، والبنك حجز على كل حاجة، وأنا مش لاقية آكل.
بصيت لها بهدوء، شربت بق قهوة وقلت لها
عارفة يا كلارا.. لما كنتِ بتعيطي وأنتي صغيرة عشان لعبة اتكسرت، كنت بلف المحلات كلها عشان أجيب لك غيرها. لما تعبتِ في ثانوي، كنت بسهر جنبك بالكمادات وأنا مش شايف قدامي من الشغل.
بدأت تنهار وتقرب من إيدي تبوسها أنا عارفة إني غلطت.. سامحني يا بابا.
سحبت إيدي بالراحة وقلت لها
المسامحة دي بينك وبين ربنا. بس البيت اللي بعتيه وأنا بدمي في المستشفى، مابقاش بيتي خلاص، ده بقى دار رعاية للأيتام بقرار من المؤسسة. وعربيتي اللي سرقتيها، الشركة استردتها.
طلعت من درج المكتب ظرف فيه مبلغ بسيط، زقيته ناحيتها
ده مبلغ يمشيكِ شهر في أوضة مفروشة، ويجيب لك لبس مناسب تنزلي تدوري بيه على شغل. مش هسيبك تموتي من الجوع، لإن ده أصلي.. بس مش هسمح لك تكسريني تاني، لإن ده عقلي.
كلارا بصت للفلوس بذهول يعني مش هترجعني البيت؟
قلت لها وأنا بفتح ملف شغل جديد البيت اللي ملوش أمان، ميبقاش بيت يا بنتي. اتفضلي، عشان عندي شغل.. والمحامي حمدي هيتابع معاكي ميعاد الجلسة الجاية، حاولي تقولي الحقيقة قدام القاضي، يمكن يخفف عنك الحكم.
خرجت وهي بتجر رجليها، وأنا كملت مراجعة الحسابات. الوجع اللي في قلبي كان لسه موجود، بس لأول مرة من سنين، كنت حاسس إني متنفس.. وبصحة كويسة جداً.
بعد ست شهور، الحكم صدر. فيكتور أخد خمس سنين سجن مشدد، وكلارا أخدت سنة مع إيقاف التنفيذ عشان كانت مجرد أداة في إيده ولأن دي أول سابقة ليها، وطبعاً تنازلي عن الحق المدني خفف عنها كتير.
كنت واقف قدام باب المحكمة لما خرجت. كانت خاسة النص، وشها مطفي، ولابسة عباية سودة بسيطة. أول ما شافتني، وقفت بعيد، مكسوفة تقرب.
روحت لها وأنا ساند على عصاية بسيطة، وقلت لها خلصت يا كلارا.. الدرس انتهى.
بصت في الأرض وقالت بصوت مخنوق أنا خسرت كل حاجة يا بابا. خسرتك، وخسرت مستقبلي، والناس كلها بتبص لي إني بعت أبويا وهو بيموت.
طلعت من جيبي مفتاح صغير، وحطيته في إيدها.
بصت للمفتاح باستغراب ده مفتاح إيه؟ البيت؟
قلت لها لا.. ده مفتاح محل صغير في وسط البلد، أنا أجّرتهولك باسمك. المحل ده فيه مكنة تصوير وأدوات
كلارا مسكت المفتاح وضمت عليه كأنها ماسكة طوق نجاة ليه بتعمل كدة بعد كل اللي عملته؟
ابتسمت لها وقلت عشان لما أموت، وأقابلك أمك، تسألني عملت إيه مع بنتنا؟.. أقدر أقول لها إني مسبتهاش للشارع، وإني علمتها إن القرش الحلال بيبني، والقرش الحرام بيبيد صاحبه.
سبتها ومشيت ل عربيتي. ركبت وقفلت الباب، وبصيت في المراية.. شفتها واقفة بتعيط، بس المرة دي مكنش عياط ندم، كان عياط حد بدأ يفهم يعني إيه أب.
دورت العربية واتحركت. الدنيا كانت بتمطر مطر خفيف بيغسل شوارع القاهرة، وأنا كنت حاسس إن روحي كمان اتغسلت. القصة مخلصتش ب انتقام يكسرها، خلصت ب فرصة تخليها إنسانة.. وأنا، شاكر المحاسب، قدرت أخيراً أقفل الدفاتر وأنا مش مديون لحد بحاجة، ولا حتى ب مشاعر زايدة.
فاتت سنة كاملة..
كنت قاعد في مكتبي وبشرب شاي، لما لقيت الباب بيخبط ودخلت كلارا. بس المرة دي مكنتش كلارا المنكسرة بتاعة المحكمة، ولا كلارا المغرورة بتاعة زمان. كانت لابسة لبس شغل عملي، ووشها فيه حيوية وتعب مريح.
حطت على مكتبي ظرف فيه مبلغ مالي،
بصيت للفلوس وبصيت لها، وقلت المحل بقى شغال كويس؟
قعدت وقالت بتنهيدة رضا الحمد لله، بقيت معروفة في المنطقة، وبقيت بفتح من ٨ الصبح. عرفت يعني إيه القرش بييجي بتعب، وعرفت إن الستر ملوش ثمن. أنا جاية النهاردة مش بس عشان الفلوس، أنا جاية أعزمك.. أنا ومجموعة شباب زمايلي في السوق عاملين إفطار جماعي بكره، ونفسي تكون موجود.
في اللحظة دي، حسيت إن الجرح اللي في قلبي قفل بجد. مكنتش محتاج فلوسها، ولا كنت محتاج اعتذارها اللي قالته مية مرة.. كنت محتاج أشوف بني آدمة أنا اللي ربيتها، مش مسخ فيكتور صورهولها.
قمت من ورا مكتبي، طبطبت على كتفها وقلت هكون أول الموجودين يا كلارا.
بصيت من شباك المكتب على الشارع الزحمة، وافتكرت ليلتي في المستشفى والدموع اللي كانت في عيني من القهر. سبحان مغير الأحوال، اللي يبيع أصله بيضيع، واللي يصون أهله، الدنيا مهما ضاقت بيه، بترجع تفتح له أبوابها من تاني.
قفلت مكتبي، وخرجت مع بنتي وإيدنا في إيد بعض، ولأول مرة من سنين، مشينا في شوارع مصر وإحنا حاسين إننا مش محتاجين نثبت حاجة