سر الطفله المؤلم حكايات صافي هاني
"بابا.. ضهري بيوجعني أوي ومش عارفة أنام، وماما قالتلي ملقولكش."
كنت لسه راجع من سفرية شغل لما بنتي اللي عندها تمان سنين قالتلي بهدوء السر اللي أمها مكنتش عايزاني أعرفه.
مكملتش ربع ساعة في البيت.
شنطتي كانت لسه مرمية جمب الباب، وجاكت المعلمة محطوط على الكنبة محدش لمسه. يا دوب دخلت وحسيت إن فيه حاجة مش مظبوطة.
مفيش رجلين صغيرة جريت عشان تسلم عليا.
مفيش ضحك.
ولا حتى حضن.
هدوء وبس.
وبعدين سمعت صوتها جاي من أوضة النوم.
صوت واطي.. ضعيف.. مكسور.
"بابا.. أرجوك متزعلش،" همست وقالت: "ماما قالتلي لو قولتلك الدنيا هتبوظ أكتر، بس ضهري بيوجعني.. ومش عارفة أنام."
اتسمرت في الممر.
إيدي لسه ماسكة الشنطة، وقلبي بيدق بصوت عالي لدرجة إني حسيت بصدى دقاته في صدري.
دي مكنتش نوبة غضب طفولية.
ولا طفلة بتهول الموضوع.
دا كان خوف.
لفيت ناحية الأوضة وشفت "صوفي" واقفة ومستخبية ورا الباب، كأنها مستنية حد يشدها بعيد في أي لحظة. كتافها كانت مشدودة، وعينيها في الأرض مابتترفعش. كانت باينة صغيرة أوي.. أصغر من سنها بكتير.
قلت "صوفي" براحة، وحاولت أخلي صوتي هادي وثابت: "بابا هنا، تعالي يا حبيبتي."
متحركتش من مكانها.
سبت الشنطة ومشيت ناحيتها براحة عشان مخوفهاش. ولما نزلت لمستواها على ركبي، جسمها اتنفض.. ورعشة باردة مشيت في جسمي.
سألتها بهدوء: "الوجع فين يا حبيبتي؟"
إيديها الصغيرة كانت بتفرك طرف قميص البيجامة لدرجة إن صوابعها ابيضت من كتر الشد.
"ضهري،" قالت بوشوشة: "بيوجعني طول الوقت.
فيه حاجة جوايا اتكسرت.
مديت إيدي من غير تفكير، بس أول ما لمست كتفها، شهقت واتسحبت لورا.
"أرجوك.. بلاش،" قالت بصوت واطي: "بيوجعني."
بعدت إيدي فوراً.
الرعب طلع في زوري، بس غصبت نفسي أفضل هادي.
"احكيلي إيه اللي حصل."
بصت ناحية الممر كأنها خايفة حد يسمعها.
وبعدين، وبعد سكوت طويل، قالت الكلمات اللي مفيش أب في الدنيا مستعد يسمعها:
"ماما اتعصبت. العصير اتدلق مني، وهي قالت إني عملت كدة قصداً. زقتني.. وضهري خبط في مقبض الباب. مكنتش عارفة أخد نفسي.. افتكرت.. افتكرت إني هختفي."
للحظة، مكنتش عارف أخد نفسي أنا كمان.
مش عشان مش فاهم..
لا، عشان فاهم كويس أوي.
كل حاجة في البيت فجأة اتغيرت.
الحيطان.
السكوت.
حتى الهوا.
كنت داخل مستني سهرة عادية، وبدل كدة، لقيت بنتي بتهمس من الوجع، خايفة من أمها، وبتترجاني مخليهوش الموضوع أسوأ لمجرد إني عرفت الحقيقة.
وفي اللحظة دي، عرفت إن دي البداية بس.
لأن لما طفل يقول كلام زي ده.. الحقيقة مش هتفضل مستخبية كتير.
فضلت مكاني على ركبي، وبحاول أخلي صوتي حنين:
"إنتي عملتي الصح لما قولتلي."
لسه مش قادرة تبص في عيني.
"الوجع ده من إمتى؟"
"من امبارح."
"قولتي لماما إنه لسه بيوجعك؟"
هزت راسها أيوه.
"قالتلك إيه؟"
صوفي بلعت ريقها وقالت: "قالتلي إني بدلع وبكبر الموضوع."
الكلمتين دول وجعوني أكتر من أي حاجة تانية.
"ممكن توريني ضهرك؟" سألتها بالراحة.
ترددت.. وبعدين
وفجأة، الدنيا غيمت قدام عيني..
اللي شفته وقتها كسرني تماماً.نزلت القميص بالراحة وصوابعي كانت بتترعش. اللي شفته مكنش مجرد كدمة عادية، دا كان تجمع دموي لونه أزرق غامق في أسود، واخد شكل مقبض الباب بالعرض في نص ضهرها الصغير. الجلد كان وارم ومشدود، والمنظر يقول إن الخبطة كانت بقوة مرعبة.. قوة مطلعاها ست غمي عينيها الغضب عن كونها أم.
قمت وقفت، والدم غلي في عروقي لدرجة إني مكنتش سامع غير صوت صفير في وداني. كنت عايز أصرخ، كنت عايز أدخل المطبخ أواجه "ليندا" وأسألها إزاي جالها قلب تعمل كدة؟ وإزاي سابت البنت بتتألم يوم بحاله وبتقولها بتدلعي؟
بس بصيت لصوفي.. كانت بتترعش وهي بتنزل قميصها، وعينيها مليانة رجاء إن "السر" يفضل بينا. لو انفجرت دلوقتي، هأكدلها خوفها إن الحقيقة بتجيب مشاكل.
مسحت وشي بإيدي وحاولت أرسم ابتسامة باهتة:
"صوفي يا حبيبتي، ادخلي استنيني في السرير.. هجيبلك مرهم يريح الوجع ده وننام، ماشي؟"
هزت راسها بخوف: "مش هتقول لماما؟"
نزلت لمستواها تاني وبست راسها: "متقلقيش.. بابا هيتصرف."
طلعت من الأوضة، الممر كان ضلمة بس النور اللي جاي من المطبخ كان كفيل يوريني خيال "ليندا" وهي بتجهز العشا بهدوء، كأن مفيش حاجة حصلت. صوت خبط المعلقة في الطبق كان بيستفز كل خلية في جسمي.
دخلت المطبخ. كانت مديا لي ضهرها.
"البنت نامت؟" سألتني بنبرة عادية جداً، نبرة باردة خلتني أقف مكاني مش مصدق.
"لأ منمتش يا ليندا،" قلتها بصوت مكتوم. "مش عارفة تنام من
وقفت حركة إيدها.. ولفت ببطء. كان فيه نظرة في عينيها مكنتش شفتها قبل كدة.. مزيج من التوتر والدفاع عن النفس.
"أوه، هي حكتلك؟" قالتها ببرود وهي بتربع إيديها. "قولتلها بلاش دراما، هي بس وقعت وهي بتلعب، وأنا زقتها عشان كانت بتعيط وتزن فوق راسي وأنا مشغولة."
قربت منها خطوة، وصوتي بدأ يعلى غصب عني: "زقتيها؟ دي مخبوطة في مقبض الباب يا ليندا! ضهرها لونه أسود! وبتقولك مش قادرة أخد نفسي وتقولي لها بتدلعي؟"
"ماتكبرش الموضوع يا مارك!" صرخت هي كمان. "أنا طول النهار لوحدي مع طفلة مبتسمعش الكلام، وأنت مسافر وبترجع تعمل فيها الأب المثالي. أنا اللي شايلة الشيلة، ومن حقي أربيها لما تغلط!"
"تربيها؟!" صرخت فيها وأنا بشاور ناحية أوضة صوفي. "دا مش تربية، دا اعتداء! إنتي خليتي بنتك تخاف منك.. بنتك كانت بتترجاني ملقولكش عشان خايفة تضربيها تاني!"
في اللحظة دي، سمعنا صوت شهقة من ورايا.
لفينا إحنا الاتنين.. كانت صوفي واقفة في الممر، دموعها نازلة في صمت، وساندة بضهرها على الحيطة وهي ماسكة مكان الوجع.
نظرة الرعب اللي في عينيها وهي بتبص لمامتها كانت الكفيلة إنها تنهي كل حاجة. في اللحظة دي عرفت إن البيت ده مش أمان، وإن الست اللي قدامي دي مقتلتش بس براءة بنتها.. دي قتلت كل حاجة كانت بينا.
سحبت تليفوني من جيبي وإيدي بتترعش.
"إنت بتعمل إيه؟" سألت ليندا وصوتها بدأ يتهز.
بصيت لها بنظرة أخيرة مليانة قرف ووجع: "بعمل اللي كان لازم يتعمل من أول ما دخلت البيت.. بكلم الدكتور.. وبعدها