سر الطفله المؤلم حكايات صافي هاني

لمحة نيوز

​أخدت صوفي في حضني بالراحة وهي بتعيط في كتفي، وخرجت بيها من البيت.. سبت الشنطة، وسبت الجاكت، وسبت حياتي كلها ورا ضهري، ومبصيتش ورايا ولا مرة.
نزلت قميصها بالراحة وصوابعي كانت بتترعش. اللي شفته مكنش مجرد كدمة عادية، دا كان تجمع دموي لونه أزرق غامق في أسود، واخد شكل مقبض الباب بالعرض في نص ضهرها الصغير. الجلد كان وارم ومشدود، والمنظر يقول إن الخبطة كانت بقوة مرعبة.. قوة مطلعاها ست عماها الغضب عن كونها أم.
​قمت وقفت، والدم غلي في عروقي لدرجة إني مكنتش سامع غير صوت صفير في وداني. كنت عايز أصرخ، كنت عايز أدخل المطبخ أواجه "ليندا" وأسألها إزاي جالها قلب تعمل كدة؟ وإزاي سابت البنت بتتألم يوم بحاله وبتقول لها بتدلعي؟
​بس بصيت لصوفي.. كانت بتترعش وهي بتنزل قميصها، وعينيها مليانة رجاء إن "السر" يفضل بينا. لو انفجرت دلوقتي، هأكد لها خوفها إن الحقيقة بتجيب مشاكل.
​مسحت وشي بإيدي وحاولت أرسم ابتسامة باهتة:
"صوفي يا حبيبتي، ادخلي استنيني في السرير.. هجيبلك مرهم يريح الوجع ده وننام، ماشي؟"
هزت راسها بخوف: "مش هتقول لماما؟"
نزلت لمستواها تاني وبست راسها: "متقلقيش.. بابا هيتصرف."
​طلعت من الأوضة، الممر كان ضلمة بس النور اللي جاي من المطبخ كان كفيل يوريني خيال "ليندا" وهي بتجهز العشا بهدوء، كأن مفيش حاجة حصلت.
صوت خبط المعلقة في الطبق كان بيستفز كل خلية في جسمي.
​دخلت المطبخ. كانت مديا لي ضهرها.
"البنت نامت؟" سألتني بنبرة عادية جداً، نبرة باردة خلتني أقف مكاني مش مصدق.
"لأ منمتش يا ليندا،" قلتها بصوت مكتوم. "مش عارفة تنام من الوجع."
​وقفت حركة إيدها.. ولفت ببطء. كان فيه نظرة في عينيها مكنتش شفتها قبل كدة.. مزيج من التوتر والدفاع عن النفس.
"أوه، هي حكتلك؟" قالتها ببرود وهي بتربع إيديها. "قولت لها بلاش دراما، هي بس وقعت وهي بتلعب، وأنا زقتها عشان كانت بتعيط وتزن فوق راسي وأنا مشغولة."
​قربت منها خطوة، وصوتي بدأ يعلى غصب عني: "زقتيها؟ دي مخبوطة في مقبض الباب يا ليندا! ضهرها لونه أسود! وبتقولك مش قادرة أخد نفسي وتقولي لها بتدلعي؟"
​"ماتكبرش الموضوع!" صرخت هي كمان. "أنا طول النهار لوحدي مع طفلة مابتسمعش الكلام، وأنت مسافر وبترجع تعمل فيها الأب المثالي. أنا اللي شايلة الشيلة، ومن حقي أربيها لما تغلط!"
​"تربيها؟!" صرخت فيها وأنا بشاور ناحية أوضة صوفي. "دا مش تربية، دا اعتداء! إنتي خليتي بنتك تخاف منك.. بنتك كانت بتترجاني ملقولكش عشان خايفة تضربيها تاني!"
​في اللحظة دي، سمعنا صوت شهقة من ورايا.
لفينا إحنا الاتنين.. كانت صوفي واقفة في الممر، دموعها نازلة في صمت، وساندة بضهرها على الحيطة وهي ماسكة مكان الوجع.

​نظرة الرعب اللي في عينيها وهي بتبص لمامتها كانت الكفيلة إنها تنهي كل حاجة. في اللحظة دي عرفت إن البيت ده مش أمان، وإن الست اللي قدامي دي مقتلتش بس براءة بنتها.. دي قتلت كل حاجة كانت بينا.
​سحبت تليفوني من جيبي وإيدي بتترعش.
"إنت بتعمل إيه؟" سألت ليندا وصوتها بدأ يتهز.
بصيت لها بنظرة أخيرة مليانة قرف ووجع: "بعمل اللي كان لازم يتعمل من أول ما دخلت البيت.. هاخدها المستشفى أعمل تقرير طبي.. وبعدها هكلم المحامي. إنتي محتاجة مساعدة، وصوفي محتاجة حماية.. حماية منك يا ليندا."
​أخدت صوفي في حضني بالراحة وهي بتعيط في كتفي، وخرجت بيها من البيت في ليلتها.. سبت الشنطة، وسبت الجاكت، وسبت حياتي القديمة كلها ورا ضهري، ومبصيتش ورايا ولا مرة.
شيلت صوفي بين إيديا بالراحة كأنها حتة زجاج خايف عليها تتكسر، وهي كانت دافنة وشها في رقبتي وبتترعش. ركبنا العربية، وطول الطريق للمستشفى مكنتش بوقف كلام معاها، كنت بحاول أطمنها إن خلاص مفيش وجع تاني، وإن بابا مستحيل يسيب حد يلمسها تاني طول ما هو عايش.
​في المستشفى، الدكاترة لما شافوا ضهرها، ملامحهم اتغيرت. النظرات اللي كانوا بيبصوهالي كانت كلها اتهام، لحد ما قعدت مع الأخصائية الاجتماعية وحكيت لها كل حاجة. صوفي بدأت تتكلم ببطء، حكت عن المرات اللي "ماما" كانت بتفقد فيها أعصابها،
عن الأوقات اللي كانت بتتحبس فيها في الأوضة من غير أكل عشان "تتعلم الأدب". كل كلمة كانت بتنزل على قلبي زي السكينة.
​بعد ساعات طويلة، صوفي نامت أخيراً على سرير المستشفى بعد ما أخدت مسكنات قوية. قعدت جمبها، وماسكت إيدها الصغيرة، وطلعت تليفوني.
​كان فيه أكتر من 20 مكالمة فايتة من ليندا، ورسايل كلها اعتذار وعياط وبعدها رسايل تهديد إنها هتاخد البنت مني. مسحت كل ده، وبعت رسالة واحدة للمحامي بتاعي: "ارفع قضية طلاق وضم حضانة فوراً.. ومعايا التقرير الطبي."
​الصبح طلع، وصوفي فتحت عينيها وبصت حواليها بخوف، بس لما شافتني جمبها، ملامحها هديت.
"بابا.. إحنا هنرجع البيت؟" سألتني بصوت منبوح.
​مسكت إيدها وبستها: "لأ يا حبيبتي، إحنا هنروح بيت تيتة وجدو شوية.. وبعدين هننقل في بيت جديد، بيت مفيهوش زعل ولا وجع، بيت بتاعنا إحنا بس."
​ابتسمت ابتسامة خفيفة، لأول مرة من ساعة ما رجعت من السفر، وقالت: "يعني مش هخبي أسرار تاني؟"
قلت لها وقلبي بيتعصر: "أبداً يا صوفي.. من هنا ورايح، إنتي وبابا مفيش بينا أسرار."
​خرجنا من المستشفى والشمس كانت طالعة، ورغم الوجع اللي كان جوه قلبي على حياتي اللي اتهدت، كنت حاسس براحة غريبة. البيت اللي كان ساكت ومظلم مبقاش موجود، والسر اللي كان واجع ضهر بنتي اتكشف، ومن اللحظة دي.. مفيش خضوع تاني،
ومفيش خوف تاني.
​النهاية.

تم نسخ الرابط