عودة الابن بعد السجن حكايات صافي هاني

لمحة نيوز

تطلعه بره.
في وسط الدخان، سحبت حسن وسندته على كتفي وخرجت من باب خلفي مكنوش مأمنينه.
واحنا في الشارع، بعيد عن المبنى اللي كان بيتحرق، حسن فتح عينه بالعافية وقال لي أبوك.. أبوك مكنش بيستخدمك يا علي.. بص في ضهر الفلاشة.
قلبت الفلاشة، لقيت محفور عليها بخط صغير جداً اضغط مرتين.
دوست عليها، طلع منها ميكرو شيب شريحة صغيرة جداً. حسن همس دي فيها تسجيلات بتثبت تورط المنظمة مع قيادات كبيرة.. أبوك ضحى بنفسه وبسمعته عشان يديك السلاح اللي تخلص بيه عليهم كلهم.. مش عشان يبيعك.
بصيت للمبنى وهو بيتحرق، وعرفت إن الرحلة لسه منتهتش.. أنا دلوقت معايا الحقيقة، ومعايا السلاح، ومعايا تلات سنين من عمري لازم أدفع تمنهم لكل واحد ظلمني.
أولهم.. ليندا.
سندت حسن على سور بعيد، وبصيت للمبنى والشرطة بدأت تحاصر المكان. الدخان كان بيغطي السما، بس النار اللي جوايا كانت أقوى. طلعت الشريحة الصغيرة وبصيت لها.. ده هو الورث الحقيقي يا أبويا.
حسن كان بيلقط أنفاسه بصعوبة وقال لي لازم تمشي من هنا يا علي.. سعيد ورجالة ليندا مش هيسكتوا، هما دلوقت زي التعابين اللي بيطلعوا من جحرهم بعد ما النار ولعت فيه.
ركبنا عربية قديمة حسن كان ركنها بعيد احتياطي، وطول الطريق كنت ساكت، بس عقلي شغال زي المكنة. ليندا مش مجرد ست طماعة، دي عقرب متربي في حضن المنظمة، وعزيز الشافعي كان مجرد واجهة.
روحت لمكان مكنش يخطر على بال حد.. بيت قديم مهجور في الملاحات، كان ملك لجدتي الله يرحمها. هناك، فتحت المذكرات تاني وبدأت أقرا بين السطور بتركيز أكبر، لحد ما وصلت لصفحة لزقة في التانية.
فصلتهم عن بعض، لقيت صورة ل عقد ملكية لقطعة أرض في طريق إسكندرية الصحراوي، ومكتوب وراها الحقيقة تحت شجرة الجميز الوحيدة.
حسن بص للصورة وقال لي بذهول دي الأرض اللي أبوك كان بيقول عليها مستودع الأسرار، عزيز كان هيموت ويشتريها بس فؤاد
رفض بكل الطرق.
وصلنا الأرض الفجر. الجو كان ساقعة ورطوبة، والأرض كانت ساكتة تماماً. بدأت أحفر تحت الشجرة بإيدي وبالسكينة اللي كانت معايا، لحد ما خبطت في صندوق حديد صغير.
فتحته.. لقيت جواه موبايل قديم، وصور لعزيز وليندا وهما مع ناس رتب كبيرة، وورقة مكتوب فيها لو وصلت لهنا، يبقى أنت جاهز للمواجهة. اتصل بالرقم ده.
دوست على زرار الاتصال في الموبايل.. الجرس رن مرتين، وفجأة جالي صوت مكنتش متوقعه أبداً.
صوت ليندا!
كنت عارفة إنك هتروح هناك يا علي.. أنت نسخة من فؤاد في كل حاجة، حتى في غباءك.
قلت ببرود الغباء هو إنك تفتكري إنك لسه مسيطرة.. أنا معايا التسجيلات، ومعايا صوركم مع الجماعة بتوع المنظمة.. اللعبة خلصت يا ليندا.
ضحكت بصوت عالي التسجيلات دي متبلش بصل يا حبيبي.. إحنا اللي بنحط القوانين. بس أنا عندي ليك عرض أحسن.. هات الميكرو شيب، وخد أبوك حي.
قلبي وقع في رجلي أبويا مات.. أنا شفت تربته، وعزيز قالي إنه بيستخدموني.
ردت بكلمة واحدة هزت كياني اسمع صوته.
سمعت صوت أنفاس مكتومة، وبعدها صوت واهن جداً بيقول علي.. متجيش.. متسمعش كلامها يا ابني.. احمي نفسك.
الخط قطع.
بصيت لحسن، وعيني كانت بتطق شرار. الدنيا اسودت في وشي، بس عقلي كان صافي زي التلج.
قلت لحسن هما فاكرين إني هروح أترجاهم.. هما مش عارفين إن اللي دخل السجن مظلوم، بيخرج منه وهو معندوش حاجة يخسرها.
فتحت الموبايل وبعتت رسالة للرقم اللي كان متسيف المعاد بكرة الساعة 12 بالليل في الملاحة القديمة.. الميكرو شيب مقابل أبويا.. لو شفت حد من رجالتك، الشريحة دي هتكون على مكتب النائب العام في ثانية.
قفلت الموبايل ورميته، وبصيت لحسن وقلتله جهز نفسك يا حسن.. بكرة هننهي الحكاية دي، يا نخرج منها كلنا، يا نتحرق فيها كلنا.
طلعت الطبنجة وفككتها ونضفتها ببطء، وأنا بفتكر كل يوم ضاع مني في السجن.. كل ليلة نمتها على البرش
وأنا بحلم باللحظة دي.
يا أنا يا أنتي يا ليندا.
ثاني يوم، الساعة جت 1130 بالليل. الهوا في الملاحة كان ريحته يود و ملح و موت. الملاحة القديمة دي عبارة عن أرض واسعة، الملح فيها عامل زي التلج، والضلمة فيها مابتكذبش.
وصلت في الميعاد. حسن كان متداري بعيد ومعاه بندقية صيد قديمة، وأنا كنت واقف في نص الملاحة، لابس جاكيت طويل ومخبي إيدي في جيبي، وقابض على الشريحة بيد، والطبنجة باليد التانية.
نور كشافات عربيتين دفع رباعي ظهر من بعيد، وقربوا بهدوء لحد ما وقفوا قدامي ب 10 متر. نزل منها سعيد ورجالته، وبعدين الباب الوراني اتفتح.. ونزلت ليندا.
كانت لابسة أسود في أسود، وشكلها زي اللي رايحة حفلة مش رايحة تقتل. وراها، اتنين رجالة كانوا ساندين واحد.. كان هو. أبويا.
شعره بقى أبيض خالص، ووشه دبلان، بس أول ما عينه جت في عيني، هز رأسه ب لأ.. كان بيقولي اهرب.
ليندا قالت بضحكة سمجة جبت الأمانة يا علي؟ ولا لسه عايز تلعب دور البطل؟
قلت بصوت عالي وهادي أبويا الأول.. يركب العربية اللي هناك دي مع حسن، وأول ما يتحركوا، الشريحة هتكون في إيدك.
ليندا شاورت لرجالتها، وسابوا أبويا يمشي ببطء وهو بيعرج لحد ما وصل لعربية حسن. حسن خده وركبه، وأول ما سمعت صوت الموتور بيتحرك، طلعت الشريحة من جيبي ورفعتها لفوق.
سعيد قرب مني عشان ياخدها، بس أنا رجعت خطوة لورا أبويا يبعد الأول.
في اللحظة دي، شفت لمعة قناص من فوق تلة ملح قريبة. ليندا كانت غدارة، مكنتش ناوية تسيب حد فينا يعيش.
ارمي نفسك يا علي! صرخة أبويا طلعت من العربية.
رميت نفسي على أرض الملح في نفس اللحظة اللي الرصاصة فيها عدت من فوق دماغي بمللي. بدأت الدنيا تضرب نار من كل ناحية. حسن بدأ يغطي عليا ببندقيته، وأنا سحبت الطبنجة وضربت أول طلقة في كشاف العربية عشان أعميهم.
الملاحة اتحولت لساحة حرب. جريت وسط أكوام الملح وأنا بضرب نار، لحد
ما بقيت في مواجهة سعيد. الراجل اللي كان بيذلني وأنا في السجن عن طريق رجالته.
أهلا يا علي.. وحشتني علقة الزنزانة؟ قالها وهو بيصوب ناحيتي.
قلتله وأنا بضغط على الزناد دي عشان التلات سنين!.. الرصاصة جت في كتفه، ووقع في الأرض بيصرخ.
لفيت أدور على ليندا، لقيتها بتركب العربية التانية وبتحاول تهرب. جريت ورا العربية ونطيت على الشنطة، وكسرت الزجاج الوراني بالطبنجة.
وقفي العربية يا ليندا! خلصت!
فرملت مرة واحدة، فجسمي اتنطر لقدام. نزلت من العربية وهي بتنهج، وطلعت مسدس صغير من شنطتها، بس أنا كنت أسرع.. لويت دراعها ووقعتها على ركبتها.
فين الورق الأصلي يا ليندا؟ فين عقود الشركة اللي أبويا اتمضى عليها بالإكراه؟
بصتلي بغل وقالت أنت فاكر إنك كسبت؟ المنظمة مش هتحلك يا ابن فؤاد.. أنت دلوقت بقيت هدف لكلبهم الكبير.
في اللحظة دي، سمعنا صوت سرينة بوليس.. بس مش بوليس عادي، دي كانت قوات خاصة.
أبويا نزل من عربية حسن، وكان ساند على حسن وهو بيقرب مننا. بص لليندا بنظرة شفقة وقال لها أنا بلغت عن نفسي وعنك يا ليندا.. سلمت عزيز والمنظمة قبل ما علي يوصل للملاحة.. الشريحة اللي مع علي دي كانت مجرد طعم عشان
أجمعكم كلكم في مكان واحد.
ليندا وشها بقى أصفر زي الكفن.
أبويا قرب مني، وحضني حضن كان بقاله 3 سنين مستني يطلعه. همس في ودني سامحني يا ابني.. كان لازم أدفع التمن معاك عشان نخلص من الكابوس ده للأبد.
الشرطة حاصرت المكان، وقبضوا على ليندا وسعيد ورجالتهم.
واحنا واقفين وسط الملاحة، والشمس بدأت تشقشق، بصيت لأبويا وقلتله يعني الشريحة دي فاضية؟
أبويا ابتسم وطلع من جيبه فلاشة تانية خالص دي اللي فيها الحقيقة.. بس أنا كنت مستني أشوف علي اللي السجن مكسرهوش.. وطلعت راجل يا ابن فؤاد.
ركبنا العربية، وأنا بسوق، بصيت في المراية وشفت البيت القديم بيظهر في الأفق.. المرة دي مكنش فيه Home Sweet
Home كدابة.. كان فيه حق راجع، وعمر جديد بيبدأ.
النهاية.

تم نسخ الرابط