عودة جنديه حكايات صافي هاني

لمحة نيوز

ظهر البيت. أبويا كان بيحاول يهرب من شباك المطبخ، وأمي كانت بتلم شنطة تانية بسرعة في الصالة. الشريف فهم اللعبة، وأمر العساكر يلفوا ورا البيت.
الحقيقة اللي ظهرت في الدقائق اللي بعد كدا كانت أبشع من تمثيلية السجن. أهلي مكنوش زعلانين على أخلاقي، هما كانوا بيستخدموا اسمي وعنواني العسكري عشان يستقبلوا طرود مشبوهة من برا، مستغلين إني في منطقة عمليات ومحدش هيشك في جوابات أو طرود جاية ل بطلة في الجيش.
الدهب والسلاح كانوا جزء من عملية تهريب كبيرة، وهما كانوا فاكرين إني هموت في الحرب والسر ده هيدفن معايا، أو على الأقل هيفضلوا يقولوا إني في السجن عشان محدش يسألني عن أي حاجة لما أرجع.
لما الشريف فتح الورق اللي جوه الشنطة، لقى كشوفات بأسماء وحسابات، وأول اسم فيها كان اسم أبويا.
أمي وقعت على ركبها وهي بتعيط، بس المرة دي مكنش تمثيل، كانت مرعوبة. وأبويا اتمسك وهو بيحاول ينط من فوق السور الوراني.
الناس اللي كانت بتبص لي بقرف، بدأت نظراتها تتحول لشفقة وندم. القسيس راي قرب مني وحط إيده على كتفي، بس أنا نفضت إيده.
بصيت لعم جرير وقولتله شكراً إنك كنت الوحيد اللي بيصدق جواباتي.
شيلت شنطة دوفلي، ومشيت في نص الشارع والناس بتوسع لي، وسبت البيت اللي حلمت بيه ٤ سنين
ورايا.. المرة دي للأبد.
الشريف دانيلز مالحقش حتى يحط الكلبشات في إيد أبويا، لأن فجأة الأرض هزت بصوت انفجار مكتوم جاي من جراج البيت.
الدخان الأسود ملى المكان، والجيران بدأوا يجروا في كل حتة. في وسط الفوضى دي، لمحت خيال حد بيجري من ورا البيت ناحية الغابة، مكنش أبويا ولا أمي.. ده كان أخويا الصغير توم اللي قالولي إنه مات في حادثة عربية وأنا في الخدمة!
توم! صرخت بأعلى صوتي وأنا بجري وراه.
الشريف صرخ فيا أقف بس مسمعتلوش. دخلت وسط الشجر والنهجان بياكل صدري لحد ما حاصرته عند المنحدر الصخري. لف وشه ليا، مكنش الولد الصغير اللي سيبته، كان وشه مليان ندوب ونظرة عينه غريبة.. نظرة حد شاف جحيم.
إنتي إيه اللي جابك يا إيميلي؟ قالها وهو بيترعش وماسك في إيده جهاز تحكم صغير. كان لازم تفضلي ميتة بالنسبة لهم، أو في السجن.. أي داهية بعيد عن هنا!
اتضح إن أهلي مكنوش مجرد مهربين، دول كانوا بيديروا شبكة لتصنيع المتفجرات لحساب جماعات مشبوهة، واستخدموا موت أخويا عشان يخبوه في القبو ويشغلوه معاهم بعيد عن عين الحكومة. والشنطة اللي رموها مكنتش عشان يلبسوني قضية، دي كانت الطعم اللي هيشتت الشرطة عشان هما يهربوا من الممر السري اللي تحت البيت.
توم، سيب البتاع ده من إيدك، قولتله
وأنا بقرب ببطء. أنا جيت عشان أخدك.
ضحك بوجع وقال تاخدي مين؟ أنا خلاص مبقاش ليا مكان برا الحفرة دي.
وفجأة، سمعنا صوت سرينة عربيات تانية، بس المرة دي مكنتش شرطة محلية.. دي كانت عربيات سوداء تابعة للمخابرات العسكرية. نزل منها ناس بأسلحة تقيلة وحاصروا المكان كله في ثواني.
واحد منهم قرب مني، ملامحه كانت صارمة، وبص للكارنيه اللي في إيدي وقال بصوت واطي سيرجنت إيميلي، إحنا مراقبين البيت ده من شهور، وكنت مستنيين وصولك عشان إنتي المفتاح الوحيد اللي هيدخلنا القبو من غير ما ينسفوا البلد.
بصيت لأخويا، وبعدين للبيت اللي بيتحرق، وبعدين للناس اللي كانت بتتهمني من شوية.. وفهمت إن رجوعي مكنش مجرد نهاية مأمورية، ده كان بداية لحرب تانية خالص، بس المرة دي الخصم كان دمي ولحمي.
أمي وأبويا اتسحبوا في العربيات السوداء، وتوم سلم نفسه وهو بيعيط. وأنا وقفت في نص الشارع، ببدلتي اللي اتملت تراب ودخان، وبصيت للمصور اللي لسه بيصور وقولتله جملة واحدة بس
اكتب في الخبر.. إن البطلة رجعت، بس ملقتش وطن ترجعله.
المصور نزل الكاميرا بتاعته وهو مذهول، والسكوت حل على الشارع كله مفيش غير صوت حطام البيت وهو بيتحرق.
الشريف دانيلز قرب مني ووشه في الأرض من الكسوف، وقال بصوت واطي إيميلي،
أنا مش عارف أقولك إيه.. إحنا كنا فاكرين إننا بنحمي البلد من مجرمة، وطلعنا بنساعد مجرمين في حق بنتهم.
مردتش عليه. كنت باصة ل توم وهو داخل عربية المخابرات. مديت إيدي في جيب البدلة وطلعت جواب مجعد ومتبهدل، ده كان آخر جواب جالي من أمي وأنا في الخندق تحت ضرب النار، كانت كاتبة فيه إحنا فخورين بيكي يا بنتي، ومستنيين رجوعك بفارغ الصبر.
ضحكت بمرارة وقطعت الجواب لحتت صغيرة ورميته في الهوا مع رماد البيت.
الضابط اللي من المخابرات قرب مني وقال سيرجنت إيميلي، إنتي لسه في الخدمة، واللي حصل ده خلى موقفك العسكري يتغير. إنتي دلوقتي الشاهدة الوحيدة في قضية أمن قومي. لازم تمشي معانا.. حالاً.
ركبت العربية السوداء، وقبل ما الباب يقفل، شفت الجيران واقفين بيبصوا لي بنظرات كلها ندم، المدرسين، القسيس، والست إليس اللي كانت بتعيط بجد المرة دي.
بصيت لعم جرير اللي كان واقف بعيد بيسند على عربية البوسطة بتاعته، شاورت له بإيدي سلام، وهو رد بالتحية العسكرية وهو بيمسح دموعه.
العربية مشيت، وبدأت أبعد عن المنطقة اللي عشت فيها طفولتي. بصيت من الشباك لبيتنا اللي بقى كوم تراب، وفهمت إن السجن اللي أهلي قالوا للناس إني فيه، مكنش مبنى بأسوار.. السجن كان البيت ده، والنهاردة بس أنا
خدت حريتي.
رفعت راسي
تم نسخ الرابط