عودة جنديه حكايات صافي هاني
وسندت ضهري على الكرسي، وغمضت عيني وأنا بقول لنفسي المأمورية انتهت يا إيميلي.. المرة دي بجد.
العربية كانت بتنهب الأرض في طريقها للمطار العسكري، والضابط اللي جنبي فضل ساكت طول الطريق، كأنه مقدر حجم الصدمة اللي أنا فيها. فجأة كسر السكوت ده وقال على فكرة يا إيميلي، إحنا فتحنا الصندوق اللي أخوكي كان خايف منه.. الصندوق اللي كان مدفون تحت تمثال الملاك الصغير.
فتحت عيني وبصيت له بانتباه. كمل كلامه أهلك مكنوش بس بيهربوا حاجات، دول كانوا بيحتفظوا ب أرشيف. سجلات بكل العمليات اللي تمت بأسماء ناس تانية في البلد، ناس إنتي تعرفيهم كويس.
وصلنا المطار، وقبل ما أنزل، أداني ملف صغير. فتحته ولقيت صور لجوابات كنت أنا بعتاها من الجبهة، بس كانت مفتوحة ومعاد لزقها، وعليها أختام مرفوض، بس المرة دي عرفت السبب الحقيقي. هما مكنوش بيرفضوها عشان يقطعوا علاقتهم بيا، هما كانوا بياخدوا المعلومات اللي فيها عن تحركاتي العسكرية عشان ينسقوا مواعيد استلام شحناتهم في الأوقات اللي أكون فيها مشغولة في عمليات كبيرة، عشان يضمنوا إن محدش يسأل عني أو يتواصل معايا.
نزلت من العربية ولقيت طيارة هليكوبتر مستنياني. الضابط بص لي وقال إنتي دلوقتي تحت حماية الجيش. البلد دي مابقتش أمان ليكي، مش بس بسبب أهلك، لكن بسبب الرؤوس الكبيرة اللي أهلك كشفوا أسماءهم
ركبت الطيارة، ومع أول خبطة للمراوح وهي بتعلى في الجو، بصيت من الشباك على مدينتي اللي بدأت تصغر وتصغر. شفت أضواء عربيات الشرطة والمطافئ وهي لسه محاصرة بيتنا القديم.
حطيت إيدي في جيب صدري، لمست ميدالية الخدمة بتاعتي، وحسيت بتقل مفتاح كان توم أخويا حطه في إيدي من غير ما حد يحس وهو بيسلم نفسه. المفتاح ده كان عليه تيكت صغير مكتوب عليه بخط إيده المخزن القديم.. في الغابة.
فهمت إن الحكاية لسه ما خلصتش، وإن توم ساب لي خيط عشان أكمل اللي هو بدأه. أهلي سجنوني في كذبة لمدة ٤ سنين، والنهاردة أنا اللي هحبسهم في الحقيقة.
الطيارة خدت مسارها فوق السحاب، وأنا لأول مرة من سنين، نمت بعمق.. مكنش نوم هروب، كان نوم محارب بيستعد للجولة الأخيرة.
بعد كام ساعة، الطيارة نزلت في قاعدة عسكرية سرية. نزلت وأنا لسه ماسكة المفتاح في إيدي زي الغريق اللي ماسك في قشة. الضابط سابني في أوضة لوحدي وقال لي ارتاحي، بكره التحقيقات هتبدأ.
بس أنا مكنتش قادرة أرتاح. كلام توم ونظرته الأخيرة كانت محفورة في دماغي. استنيت لحد ما الدنيا ليلت تماماً، واستغليت تدريبي في الاستطلاع عشان أخرج من القاعدة من غير ما حد يحس. كان لازم أعرف توم مخبي إيه في المخزن القديم قبل ما المخابرات توصله.
وصلت الغابة اللي كنا بنلعب فيها وإحنا عيال. المخزن كان عبارة
ولعت كشاف صغير، ولقيت في نص الأوضة صندوق حديد ضخم. فتحته بالمفتاح التاني اللي كان مربوط في نفس السلسلة، واللي شوفته جوه خلاني أسند ضهري على الحيطة وأنا مش مصدقة.
مخزن توم مكنش فيه سلاح ولا دهب.. كان فيه الحقيقة كاملة.
لقيت كاميرات صغيرة جداً، وفيديوهات متسجلة بالصوت والصورة لكل الاجتماعات اللي كانت بتتم في صالة بيتنا وأنا مسافرة. شفت القسيس راي وهو بياخد نسبته من عمليات التهريب، وشفت الشريف دانيلز نفسه وهو بيمضي على تصاريح دخول شحنات مشبوهة على إنها معدات طبية.
أهلي مكنوش هما الراس الكبيرة، دول كانوا مجرد ستار لشبكة فساد ماسكة البلد كلها، وتوم كان بيسجل كل حاجة عشان يحمي نفسه ويحمي اسمي لو في يوم قرروا يتخلصوا مني.
وفي قاع الصندوق، لقيت جواب مكنش مبعوت ليا، كان مبعوت من أبويا لواحد من الرؤوس الكبيرة دي، بيقوله فيه البنت رجعت وممكن تبوظ كل حاجة، خلصوا عليها وقولوا إنها انتحرت بسبب صدمة الحرب.
دموعي نزلت، بس المرة دي كانت دموع قوة مش ضعف. أهلي مكنوش بس بيتاجروا باسمي، دول كانوا بيخططوا لقتلي.
فجأة، سمعت صوت خروشة ورق شجر برا المخزن. طفيت الكشاف بسرعة وسحبت طبنجتي.
صوت خطوات بتقرب.. وواحد بيقول بصوت واطي أنا عارف إنك هنا يا إيميلي.. توم دايمًا كان بيقول إنك أذكى منه.
ده كان صوت الشريف دانيلز.
طلعت من الضلمة ووجهت السلاح عليه وقولتله أنا مش بس أذكى منه يا شريف.. أنا مدربة أحسن منك ومن كل عصابتك.
ابتسم ببرود ورفع إيده اللي فيها جهاز لاسلكي لو دوست على الزرار ده، المخزن ده والسر اللي جواه هيتحولوا لرماد في ثانية.. والناس هتقول إن السيرجنت إيميلي ماتت وهي بتحاول تخبي جرايم أهلها.
بصيت في عينه بكل ثبات وقولتله جرب.. بس قبل ما تدوس، اعرف إن الفيديوهات دي بقت دلوقتي لايف على سيرفر المخابرات العسكرية.. أنا مخرجتش من القاعدة من غير ما أمن نفسي.
الخوف ظهر في عينه لأول مرة. وفي اللحظة دي، النور ملى المكان من كل حتة، وصوت ميكروفونات الجيش زلزل الغابة شريف دانيلز، ارمي سلاحك وارفع إيدك فوق!
أنا مكنتش هربت من القاعدة، أنا كنت الطعم اللي الجيش استخدمه عشان يوقع السمك الكبير كله مرة واحدة.
لما الكلبشات اتحطت في إيد الشريف، بصيت للسما واتنفست بعمق. المرة
دي، وأنا ماشية وسط العساكر، مكنتش ماشية كضحية ولا كهاربة.. كنت ماشية وأنا عارفة إن اسم إيميلي باركر اتغسل بالكامل، وإن توم أخيراً هيخرج للنور.
أهلي خسروا كل حاجة، وأنا كسبت الحاجة الوحيدة اللي كانت تهماني.. كسبت كرامتي، وقفلت باب