انتقام مابعد الخيانه حكايات صافي هاني

لمحة نيوز

 يتنفس، بص للسكرتير اللي كان واقف وراه وقال بلهجة آمرة: "كل مليم دخل جيب الراجل ده من خمس سنين يتراجع.. ولو فيه مليم واحد ناقص، السجن أولى بيه."
​"سيليست" أول ما سمعت سيرة السجن والفقر، بصت لأدريان بقرف، وقامت واخدة شنطتها وماشية بسرعة وهي بتقول: "أنا ماليش دعوة بالكلام ده، أنا محدش قالي إن وراك المصايب دي كلها!"
​ضحكت بوجع وقلت لها: "استني يا حبيبتي.. الشنطة اللي في إيدك دي، وتمن الفستان اللي إنتي لابساه، مدفوعين من حسابي الشخصي اللي أدريان كان بيسحب منه.. يعني الشنطة دي كمان هترجع."
​أدريان زحف لحد عندي وهو بيبكي: "إيفلين، أنا أبو ولادك.. ارحميني، أنا ضعت!"
​بابا قرب منه ورفعه من ياقة قميصه وقال له: "إنت نسيت الرحمة وهي في عز تعبها بتولد ولادك.. نسيت الرحمة لما كنت عايز ترميها في الشارع وهي لسه بجرحها.. دلوقتي بتفتكر إنك أبوهم؟"
​بابا نده على الحرس وقالهم: "خرجوا الأشكال دي بره، ومش عايز أشوف وشهم في المستشفى دي ولا في المحافظة كلها."
​أدريان خرج وهو بيترنح، والناس في المستشفى كلها كانت بتتفرج عليه وهو بيطرد زي الكلب، بعد ما كان داخل من ساعتين كأنه ملك زمانه.
​أبويا قعد جنبي على السرير، وباس راسي وقال لي: "حقك رجع يا بنتي، والبيت اللي كان فاكر إنه خده، أنا اشتريت المنطقة اللي حواليه كلها وههده وأبنيه من جديد عشان ميبقاش فيه ريحة ليهم فيه."
​بصيت لولادي التلاتة اللي كانوا نايمين في هدوء، وحسيت لأول مرة إن الحمل اتشال من على كتفي.
​قلت لبابا: "أنا كنت فاكرة إني ضعيفة يا بابا.

"
​بابا ابتسم وقال لي: "إنتي بنتي.. وبنت المنشاوي متبقاش ضعيفة أبداً. إنتي بس كنتي بتختبري معدنه، وهو طلع صفيح مصدي."
​من اليوم ده، أدريان خسر كل حاجة.. شركته، برستيجه، وحتى مراته التانية اللي سابته أول ما الفلوس خلصت. أما أنا، فبدأت حياة جديدة مع ولادي، وسط عيلة عرفت قيمتي، وعرفت أدريان إن اللي يكسر قلب ست وراها ضهر، لازم يستعد لإعصار يهد حياته كلها.

عدى شهرين على اليوم ده، وأدريان بقى يدور على أي شغلانة تستر حاله مش لاقي، لأن بابا "المنشاوي" حط اسمه في القائمة السوداء لكل الشركات.
​في يوم، كنت قاعدة في جنينة قصر بابا مع ولادي، والشمس كانت دافية وجميلة، دخل عليا المحامي بتاعي ومعاه شنطة سودة.
​المحامي: "إيفلين هانم، دي الشنطة البيركن اللي كانت مع الست التانية، استرديناها مع بقية الحاجات اللي أدريان اشتراها من حسابك.. تحبي نعمل فيها إيه؟"
​بصيت للشنطة بقرف وقلت له: "بيعهـا واتبرع بتمنها لأي ملجأ أيتام.. مش عايزة أي حاجة في بيتي كانت لمستها الست دي."
​وفجأة، سمعت دوشة عند البوابة الكبيرة. بصيت لقيت أدريان واقف بره، هدومه كانت مبهدلة ووشه شاحب، بيحاول يقنع الأمن يدخلوه يشوفني.
​طلعت له عند البوابة، وبابا كان واقف ورايا بيراقب الموقف من بعيد عشان يطمن عليا.
​أدريان أول ما شافني، انهار: "إيفلين.. أرجوكي، أنا مش لاقي آكل، سيليست سابتني وسرقت الساعتين اللي حيلتي.. أنا نايم في لوكاندة تعبانة، والولاد وحشوني، أنا عايز أشوفهم."
​بصيت له بمنتهى الجمود وقلت له: "الولاد اللي كنت عايز ترميهم هما

وأمهم في الشارع وهما لسه مولودين؟ الولاد اللي مكلفتش خاطرك تلمسهم في المستشفى عشان كنت مشغول بمراتك الجديدة وشنطتها؟"
​أدريان: "كنت أعمى.. طمعت في الفلوس والمنظر الكداب، سامحيني."
​قلت له بلهجة قاطعة: "الطلاق تم يا أدريان، والنهاردة صدر حكم المحكمة بحرمانك من الرؤية لعدم الأهلية، وبناءً على التقارير اللي قدمناها عن حالتك النفسية وسلوكك الغريب في المستشفى."
​أدريان صرخ: "إنتي بتدمريني يا إيفلين!"
​رديت عليه بابتسامة هادية: "لأ.. أنا بس بصلح الغلطة اللي عملتها لما اخترتك. إنت اللي دمرت نفسك لما افتكرت إن الطيبة ضعف، وإن الفلوس بتشتري الأصول."
​شاورمت للأمن يقفلوا البوابة، ولفيت ضهري ومشيت. سمعت صوته وهو بينادي عليا وبيعيط، بس المرة دي قلبي محنش ولا لحظة.
​روحت لبابا، حضن كتفي وقال لي: "دلوقتي بس أقدر أقول إن بنتي رجعت أقوى من الأول."
​بصيت للسما وقلت: "الحمد لله يا بابا.. الدرس كان غالي، بس النتيجة تستاهل."
​وبدأت أركز في تربية ولادي، وفي إدارة جزء من شركات بابا، وعرفت إن الست لما بيبقى وراها أهل بيحبوها، مفيش أي حد في الدنيا يقدر يكسرها، مهما حاول.

بعد سنة كاملة، الدنيا اتغيرت تماماً.
​كنت واقفة في قاعة المؤتمرات الكبيرة، بفتتح أول مشروع خاص بيا بعيد عن شركات بابا، مشروع لدعم الأمهات اللي بيمروا بظروف صعبة. كنت لابسة بدلة رسمية شيك، وواقفة بمنتهى الثقة قدام الكاميرات والصحفيين.
​فجأة، عيني وقعت على واحد من العمال اللي بينقلوا كراسي القاعة بره. كان مغطي راسة بكاب، وضهره محني، بس مشيته

كانت مألوفة ليا. لما رفع راسه يمسح عرقه، عيني جت في عينه.
​كان أدريان.
​ملامحه كبرت عشر سنين، إيده اللي كانت ناعمة من شيل القلم والفلوس بقت خشنة من الشغل الشاق. أول ما شافني، الكرسي وقع من إيده، ووقف مبرق، مش مصدق إن دي "إيفلين" اللي كان بيعايرها بضعفها وتعبها في أوضة المستشفى.
​واحد من المشرفين زعق فيه: "أنت يا جدع أنت! واقف متنح ليه؟ كمل شغلك وإلا مفيش حساب النهاردة!"
​أدريان بص للأرض بذل، وبدأ يلم الكراسي وهو بيسمع تصفيق الناس ليا وأنا بلقي كلمتي عن "القوة والبدايات الجديدة".
​بعد ما خلصت، وأنا خارجة ورايا الحرس بتوعي، لقيته واقف مستنيني عند باب الخروج من غير ما المشرف يشوفه.
​قالي بصوت مخنوق: "إيفلين.. مكنتش أعرف إن ده مشروعك، أنا بشتغل هنا باليومية عشان أسدد ديوني.. أرجوكي يا إيفلين، كلمة واحدة منك للمدير يخليني مشرف بس، أنا بموت من التعب."
​وقفت وبصيتله بنظرة مفيش فيها غضب، كان فيها شفقة بس.
​قلتله ببرود: "أنا مابتدخلش في شؤون الموظفين يا أدريان، كل واحد بياخد على قد تعبه وأمانته.. وإنت تعبت قوي عشان توصل للي إنت فيه ده، استمتع بنتيجة تعبك."
​سبته ومشيت وركبت عربيتي، وفي اللحظة دي جالي تليفون من البيت، سمعت صوت ولادي التلاتة وهما بيضحكوا وبيقولوا "ماما" لأول مرة بوضوح.
​ابتسمت وقفلت الشباك، والعربية اتحركت وهي بتسيب أدريان وراها، مجرد ذكرى باهتة في مراية الصالون.
​أدريان خسر حياته لما قرر يبيع "الأصل" عشان "المظاهر"، وأنا كسبت نفسي لما رجعت لحضن أهلي وعرفت إن الكسر اللي مبيقتلكش،
بيبنيك من جديد بس على نظافة.
​النهاية.

تم نسخ الرابط