عزت الجارحي حكايات صافي هاني

لمحة نيوز

عزت الجارحي مكنش المفروض يرجع مصر قبل يوم الجمعة.
عشان كدة وقفته في صالة القصر الرخامية كانت توحي إنه مش صاحب بيت راجع، لأ، ده كان زي الشبح اللي راجع لمكان كان فاكر إنه دفنه خلاص.
إيده اليمين كانت غرقانة دم ناشف مخلي كُم البدلة الغالية لونه مسود. اجتماع السخنة باظ قبل التحلية، وساب وراه جثتين من رجالته، ومخزن محروق على الصحراوي، وحقيقة واحدة مرة زي السم في خاين وسط رجالة عزت الجارحي هو اللي فتح الباب للأعداء.
كل اللي كان عاوزه هو مكتبه، وكاس تقيل، وعشر دقايق هدوء قبل ما يقرر مين اللي هيلحق يشوف شمس بكرة ومين اللي حسابه جه.
بس فجأة، سمع صوت صريخ بنته.
الصوت جاي من الجناح الشرقي.
مسبش فرصة للتفكير.. الصوت مكنش عالي ولا تمثيلي، كان صوت مكتوم ومخنوق، كأن في إيد اتحطت بقوة على بوق حد عشان يسكته.
عزت اتسمر في مكانه.
السواق بتاعه حتى ملحقش يقفل باب العربية وراه. برا، كان صوت المطر بيخبط في القزاز المصفح، وجوا، البيت اللي شبيحة القاهرة بيترعبوا من سيرته كأنه قلعة حصينة، كان ساكت سكات مريب.
قصر الجارحي متأمن بحرس مسلحين على كل مدخل، وأجهزة استشعار تحت النجيل، وشيش مصفح ورا الستاير الحرير، وكاميرات مراقبة في كل شبر، من الجنينة للممرات لحد أوض النوم.
محدش بيدخل من غير علم عزت.
ومحدش

بيلمس بناته.
فجأة، طلع صوت ست من ناحية المطبخ.. صوت واطي، حاد، ومسيطر جداً.
يا نور، امسكي الكشاف ده كويس وإيدك متتهزش.. متبصيش للدم، بصي لإيدي أنا.. لما أتحرك تتحركي معايا، فاهمة؟
في طفلة كانت بتعيط.
شاطرة يا حبيبتي.. ليلى، اسمعيني كويس، إنتي مش هتموتي.. إنتي بس خايفة وموجوعة، بس طول ما أنا موجودة مفيش موت، فاهمة؟
إيد عزت نزلت فوراً على المسدس اللي تحت الجاكيت.
ليلى..
بنت الكبيرة.
البنت اللي لسه بتهبد الأبواب لما تزعل منه، اللي طالعة لأمها في كبريائها ورفضها للدموع. البنت اللي حلف يحميها بعد ما العربية المفخخة خطفت مراته وخلت بنته الصغيرة مابتنطقش بقالها تلات سنين.
اتحرك في الممر من غير ولا همسة.
وعلى باب المطبخ، ريحة قوية خبطت في مناخيره.
ريحة دم.
ومطهر.
وخوف.
عزت رزع الباب برجله ودخل والمسدس في إيده ومتوجه للكل.
كفاية.. كلو يثبت مكانه!
تلات بنات صرخوا في نفس الوقت.
بس مكنش فيه هجوم.. مكنش فيه ملثمين ولا رجالة من بتوع السخنة ولا عصابات جاية تخلص المهمة.
المطبخ الرخام كان غرقان دم.
ليلى، صاحبة السبعة عشر سنة، قاعدة على الرخامة وبنطلونها الجينز مقطوع من الفخذ للركبة، وجرح غائر وشكله يخوف في رجلها. وشها كان مخطوف وباهت، وحاطة حزام جلد بين سنانها عشان متصرخش ولا تعض لسانها.

نور، اللي عندها ١٢ سنة، واقفة جنبها وجسمها كله بيتنفض والكشاف في إيدها بيرقص على الجرح.
أما تالية الصغيرة، اللي عندها ٦ سنين، البنت اللي منطقتش كلمة من يوم وفاة أمها، كانت واقفة حافية على كرسي المطبخ وماسكة في جيبة الخادمة الرمادية بكل قوتها.
اتنفسي يا ليلى، تالية همست فجأة بكلمات مسموعة لأول مرة أبله ياسمين هتصلحها.. أبله ياسمين هتخيطها.
عزت نزل المسدس شوية من الصدمة.
في نص الحكاية دي كلها، كانت واقفة ياسمين.
الخادمة الهادية الرزينة.
الست اللي عينها من ست أسابيع عشان المكتب قال إنها في حالها وخبرة مع الأطفال وبتعرف تتعامل في البيوت اللي حراستها مشددة. عزت مكنش بياخد باله منها أصلاً، أخر معرفته بيها شعرها الملموم دايماً، وكلمة حاضر يا عزت بيه، وعينها اللي بتنزل الأرض أول ما تشوف حد من الحرس بتوع البيت.
بس الست اللي قدامه في المطبخ دلوقتي مكنتش بتنزل عينها الأرض.
كانت مشمرة كمامها لحد كوعها، ولابسة جوانتيات طبية زرقاء غرقانة دم. ماسكة إبرة جراحية في إيد، وفي الإيد التانية جفت طبي بتطلع بيه حاجة من جوه جرح بنته.
دراعاتها كان فيها علامات.
مش حروق مطبخ عادية.. دي آثار قديمة، خط أبيض رفيع عند المعصم، وعلامة غريبة عند الكوع كأن رصاصة دخلت وخرجت بطريقة غلط.
لما عزت قرب، ياسمين
رفعت عينها وبصتله.
عنيها كانت هادية، وبرودها كان يجمّد الدم في العروق.
قالتله بلهجة مفيهاش تراجع نزل المسدس ده يا عزت بيه.. إنت بترعب البنات.
محدش في مصر كلها كان يتجرأ يكلم عزت الجارحي بالأسلوب ده.
لا أعداؤه، ولا رجالته، ولا حتى الوزراء ولا المحققين اللي كانوا بيترجوه قبل ما يختفوا من الوجود.
عزت جز على سنانه وسألها بصوت غاضب
إيه اللي حصل لبنتي؟
اقتراح
ياسمين ماردتش عليه فوراً. كملت تقطيب الجرح بمنتهى الثبات، وإيدها كانت أثبت من إيد جراح شاطر في أوضة عمليات. سحبت الخيط الجراحي ببطء، وعينها مركزة في الجرح ولا كأن في وحش واقف وراها بمسدس.
ليلى بنته غرزت سنانها في الحزام الجلدي وغمضت عينها وهي بتئن بوجع، وتالية الصغيرة كانت لسه ماسكة في ياسمين كأنها طوق نجاة.
بعد ثواني مرت كأنها سنين، ياسمين قصت طرف الخيط، ورمت الجفت في الحوض الرخام، وبدأت تقلع الجوانتيات الزرقاء الغرقانة دم وهي بتبص لعزت بمنتهى البرود.
رجالتك اللي إنت واثق فيهم.. واحد منهم حاول يخلص على بنتك في الجنينة، ياسمين قالتها وهي بتمسح إيدها بمنديل مطهر. رصاصة كانت رايحة في صدرها، بس الحظ خليتها تيجي في رجلها وهي بتجري.. ولولا إني سحبتها من الممر الخلفي ودخلتها هنا، كان زمانهم كملوا عليها دلوقتي.
عزت حَس بصدمة لجمت
لسانه. بنته؟ في وسط حصنه؟ ومن رجالته؟
قرب خطوة وصوته كان
تم نسخ الرابط