قصة حب وزواج حكايات صافي هاني
مكنش ينفع يتصلح بكلمتين أسف.
لميت هدومي وهدوم عيالي، وقررت أسيب البلد دي خالص، مكنش ينفع أربّي ولادي في مكان كل حيطة فيه بتفكرني بالوجع وبعمايل أهله. بعت الدكانة والبيت، وأخدت قرشينهم وسافرت بيهم على المحافظة، بعيد عن أي حد يعرفني.
أجرت شقة صغيرة، وبدأت حياتي من الصفر. فتحت مشروع صغير على قدّي عشان أقدر أصرف على التوأم؛ "أحمد" و"مصطفى" ـ سميت التاني على اسم أبوه عشان اسمه يفضل عايش في الدنيا.
مرت السنين، والمحكمة حكمت بالإعدام على أخوه وعمه، والعدالة أخدت مجراها، بس الحقيقة إن حقي وحق جوزي رجع من أول يوم مصطفى ساب فيه الفيديو ده. ولادي كبروا وبقوا رجالة، وكل ما بيبصوا في عيني، بشوف فيهم حنية أبوهم وجدعنته.
أنا عشت يتيمة ومليش ضهر، ومصطفى كان هو أبويا وأخويا وسندي، وحتى لما فارق الدنيا، مسبنيش لوحدي؛ ساب لي الحماية، وساب لي حتتين منه يعوضوني عن كل مرار شفته. ربنا يرحمك يا غالي، ويجعل مثواك الجنة، عشت راجل ومُت بطل.
ومرت السنين، والعيال كبروا ودخلوا المدارس، وبقيت كل ما أبص في وشوشهم، أفتكر مصطفى وأيامه الجميلة. "أحمد" طلع شبه أبوه في ملامحه وهدوءه، و"مصطفى" الصغير أخد منه الجدعنة والضحكة اللي كانت بتنور الدنيا.
كنت بشتغل ليل نهار في مشروعي الصغير عشان ما أحوجهمش لمخلوق، والحمد لله ربنا كرم الورشة والرزق وسع، وبقيت قادرة أوفر لهم كل اللي بيحلموا بيه. مكنتش بخلّي حد فيهم يحس بنقص، بس دايماً
وفي يوم، وأنا قاعدة براجع حسابات الشغل، لقيت مصطفى الصغير جاي يقعد جنبه ومسك إيدي وقال لي: "يا أمي، أنا لما أكبر نفسي أطلع ظابط شرطة". سألته بابتسامة: "ليه يا حبيبي؟"، قال لي وعينه مليانة حماس: "عشان أجيب حق أي حد مظلوم، زي ما الظابط اللي حكتيلنا عنه جاب حق أبويا وحقك، وزي ما بابا ساب لنا الفيديو عشان ينصر الحق".
دموعي نزلت من الفرحة وحضنته أوي، وعرفت ساعتها إن تعبي مأعش في الأرض، وإن بذرة مصطفى الطيبة كبرت وطرحت رجالة بجد.
القصة دي مش مجرد حكاية حزينة عن الغدر والخيانة، دي رسالة لكل واحد بيظلم ويفتري على الناس.. افتكر إن ربنا مبيسبش حق المظلوم، والباطل مهما عاش ونفش ريشه، بييجي يوم والحقيقة بتظهر وتكون زي الشمس.
وعلى قد ما الدنيا أخدت مني وأنا صغيرة وحرمتني من أهلي، وعلى قد ما الوجع كسرني بموت جوزي وظلم أهله.. على قد ما ربنا عوضني بولاد وبسيرة راجل يرفع الراس، يخليني أعيش اللي باقي من عمري وأنا حاطة عيني في عين أجدع تخين، وبقول بكل فخر: "أنا كنت مراته.. وهو عاش ومات سندي".
النهاردة ولادي بقوا رجالة ملء الهدوم، أحمد اتخرج من كلية الهندسة ومصطفى الصغير حقق حلمه وبقى ظابط قد الدنيا. يوم تخرجه بالبدلة الميري، كنت واقفة وسط الناس ودموعي مش ملاحقة على خدي، كنت شايفة جوزي "مصطفى" الله
بعد الحفلة، ولادي الاتنين جولّي، وطوا على إيدي راسوها، ومصطفى قلع كابه الميري وحطه على راسي وقال لي: "الكاب ده بتاعك أنتِ يا أمي، أنتِ اللي صمدتِ، وأنتِ اللي ربيتي رجالة، والنهاردة أنا واقف في خدمتك وخدمة أي حد مظلوم في الدنيا دي".
في اللحظة دي، حسيت إن الحمل الثقيل اللي شيلته سنين طويلة انزاح عن كتافي. افتكرت القرية الصغيرة، وافتكرت كلام الناس وظلمهم، وافتكرت المحكمة والحبس.. واكتشفت إن كل ده كان تدبير من ربنا عشان يخرج من المحنة دي منحة عظيمة.
أنا شيماء، البنت اليتيمة اللي مكنش ليها ضهر في الدنيا، ربنا رزقني براجل عاش سندي ومات وهو بيحميني، وساب لي وراه جيش من الرجالة يدافعوا عني وعن الحق.
حكايتي خلصت، بس العِبرة منها عمرها ما هتموت: اوعوا تظلموا حد، واوعوا تيجوا على الولايا واليتامى، عشان ربنا سبحانه وتعالى بيجيب الحق لو بعد حين، ومن قلب الموت والظلم بيطلع الفرج والنور. ربنا يرحمك يا غالي، نم مستريح، ولادك بقوا رجالة بجد.
بعد كل السنين دي، وبعد ما ولادي بقوا في أعلى المراكز، جالي تليفون من البلد القديمة.. البلد اللي شوفت فيها الويل وظلموني فيها. اللي بيكلمني كان راجل طيب من جيراننا زمان، قال لي بصوت كله حرج: "يا ست شيماء، أنا عارف إنك مش عايزة تسمعي سيرة البلد، بس وجب عليا أقول لكِ.. بيت أهله اللي ظلموكي ودمروا حياتك
قفلّت السكة وأنا بتنهد، ومحستش بأي شماتة، بالعكس، أنا حمدت ربنا إن الدنيا دارت وورّت الكل مين هي شيماء ومين هما ولاد مصطفى الميكانيكي اللي اتهموني بدمه.
في نفس اليوم بالليل، جمعت ولادي وأحفادي ـ لأن أحمد ربنا كرمه واتجوز وخلف بنت صغيرة سماها "شيماء" على اسمي ـ وقعدنا كلنا في صالون بيتنا الكبير. بصيت لولادي وقولت لهم: "يا ولاد، الدنيا دي سلف ودين، واللي بيعمل خير بيلاقيه، والظلم ظلمات.. أبوكم ساب لنا ورث مش فلوس وعمارات، ساب لنا اسم نضيف وسيرة ترفع الراس، وأنا عشت عمري كله بحافظ على الورث ده".
مصطفى ابني الظابط قام وطبع بوسة على جبيني وقال لي: "يا أمي، إحنا عايشين بدعاكي، وببركة الراجل الجدع اللي كان أبونا.. اطمني، طول ما فينا نفس، اسم مصطفى هيفضل يترحم عليه من طوب الأرض".
ودلوقتي، وأنا قاعدة على كرسّي الهزاز، ببص لصورته اللي مالية الصالة، وببتسم وبقول له: "شايف يا دراعي اليمين؟ شايف يا حبيب العمر ولادك بقوا إيه؟ نام وارتاح يا مصطفى، الأمانة صونتها، وحقك رجع تالت ومتلت، واليتم اللي شوفته وأنا عيلة صغيرة، ربنا عوضني عنه بأعز وأغلى رجالة في الدنيا".
دي كانت قصتي.. قصة حب عاشت رغم الموت، وحقيقة ظهرت ونورت العتمة، وأصل طيب مفيش أي ظلم في