ضريني قلم في المطار حكايات صافي هاني
أبويا ضربني بالقلم في المطار عشان رفضت أدّي أختي الصغيرة كرسي الدرجة الأولى بتاعي.. وبعدها بثواني، عيلتي كلها لفت رقبتها وعرفت إني أنا اللي دافع تمن الرحلة دي كلها من جيبي.
لو ماديّتيش الكرسي ده لأختك حالا، ههزأك وأقل بأصلك قدام الناس كلها.
أبويا زعق بالكلمات دي بصوت عالي كفاية إن نص الطابور اللي واقف بيسجل الأكياس في المطار يسمعه. الناس بطلت تجر الشنط بتاعتها. الكلام وقف في نص الجملة. حتى موظفين شركة الطيران سكتوا.
كنت واقفة هناك وتعبانة ومقضياها بأقل من أربع ساعات نوم بعد ما خلصت مشروع استشارات طاحن في إسكندرية وسوقت طول الليل عشان الحق الرحلة اللي أمي كانت عمالة تسميها رحلة لم شمل العيلة.
باريس.
خمس ليالي قريبة من نهر السين.
أوتيل فاخر.
جولات سياحية خاصة.
وعشوات غالية.
نفس الرحلة اللي أختي الصغيرة دينا كانت عمالة تتنطط وتتباهى بيها على النت بقالها أسابيع كأنها هي اللي ممولة كل تفصيلة فيها من جيبها. وهي ممولتش حاجة. أنا اللي دافعة تمن التذاكر. وأجنحة الأوتيل. وتأمين السفر. ورسوم الشنط. وتوصيلات المطار. وحجوزات المطاعم. وقبلها بشهور، كنت دافعة نص مصاريف تخرجها عشان أهلي قالوا محتاجين مساعدة.
هو ده كان دوري دايماً في العيلة
اللي يتسند عليها.
المسؤولة.
اللي ملهاش وجود.
الشخص اللي بيحل المشاكل في الوقت
فبعد سنين من التضحية عشان كل اللي حواليا، أخيراً استخدمت نقط الطيران بتاعتي عشان حاجة واحدة بس تذكرة درجة أولى ليا لوحدي. رحلة واحدة هادية مفيش فيها حد طالب فلوس، ولا جمايل، ولا نصيحة، ولا إنقاذ، ولا تطييب خاطر. مجرد راحة وبس.
لما موظفة الطيران ابتسمت وقالت يا آنسة فريدة، تذكرتك للدرجة الأولى اتأكدت، حسيت براحة لأول مرة من شهور.
ساعتها دينا لفت بغل يعني إيه هي اللي تاخد الدرجة الأولى؟
الموظفة شرحت بكل ذوق إن الكرسي ده مربوط بحساب النقط الشخصي بتاعي.
دينا ضحكت كأن الفكرة أهانتها لا، ده المفروض يكون بتاعي أنا. الرحلة دي أصلاً معمولة عشاني.
أمي قفشت في دراعي فوراً وبقرصة توجع يا فريدة، بلاش أنانية وادي أختك الكرسي.
بصيت لإيدها. وبعدين بصيت لأبويا اللي كان بيبرقلي كأني عملت خيانة ومصيبة ملهاش غفران. ولأول مرة من سنين، قولت كلمة واحدة وبسيطة لا.
دينا برقتلي وهي مش مصدقة أنتِ أصلاً مبيفرقش معاكي الفشخرة والحاجات الغالية.
كنت هضحك من غلبي عشان ببقى مشغولة دايماً وأنا بدفع تمن فشخرة الباقيين.
السكوت اللي حصل بعد كده كان يخوف.
بعدها أبويا طلع خطوة لقدام. وقبل ما أستوعب، إيده نزلت على وشي بقلم جامد لدرجة إن راسي حدفت للجنب.
الصالة كلها سكتت صمت تام.
خدي حرقني
في طفل صغير جنبنا قعد يعيط.
موظفة الطيران اتسمرت في مكانها من الصدمة.
وعيلتي لسه مكنتش استوعبت تفصيلة واحدة مهمة جداً
كل تذكرة في جيوبهم دلوقتي متشتراية من الحساب بتاعي أنا.
يعني أنا لسه في إيدي أتحكم في كل حجز يخص الرحلة دي.
بما فيهم تذاكر الرجوع.
وحجوزات الأوتيل.
وكل حاجة غالية وفاخرة هما فاكرين إنها حقهم المكتسب.
الموظفة بصتلي وعينيها واسعة من الرعب، وسألتني بصوت واطي يا فندم، تحبي أطلب الأمن؟
أبويا لسه واقِف ونفسه عالي، ووشه أحمر من الغضب، وبص للموظفة بزعيق أمن إيه يا بنتي؟ دي بنتي وبأدبها، خليكي في شغلك وطبعيلنا التذاكر خلصينا!
دينا كانت واقفة ورا أمي وشرارة الانتصار في عينيها، مقتنعة إن القلم ده كسرني وخلاص الكرسي بقى بتاعها. وأمي بدأت تطبطب على كتف أبويا وتهديه وتقول للناس اللي بتتفرج حصل خير يا جماعة، خلاف عائلي بسيط.
أنا مكنتش حاسة بالوجع في خدي على قد ما كنت حاسة ببرود غريب بيسري في دمي. الوجع فوقني. قشرة البنت المطيعة المستسلمة اللي عشت فيها طول عمري اتقشرت مع القلم ده.
بصيت للموظفة وثبت عيني في عينيها، وقولتلها بهدوء تام وثقة لأ، متطلبلوش الأمن... بس الغي التذكرتين دول.
وشاورت على أبويا وأمي.
الموظفة تنحت أفندم؟
طلعت بطاقتي الشخصية وكارت الائتمان اللي محجوز بيه كل حاجة وقولتلها
الصدمة اللي نزلت على وشوشهم كانت تسوى ملايين.
أبويا صوته هدي فجأة وبأمارة غريبة قال فريدة! أنتِ بتقولي إيه؟ أنتِ اتجننتي؟
أمي سابت دراعه وقربت مني وبدأت تتكلم بنبرة حنينة ومزيفة جرى إيه يا فريدة يا بنتي؟ إحنا بنهزر معاكي، أبوكي كان بيقرص ودنك بس عشان أختك الصغيرة، متكبريش الموضوع وتنوحي علينا وتنزلي من نظرنا قدام الأجانب.
أنا مش هكبر الموضوع يا ماما، أنا هنهيه.
بصيت للموظفة وقولتلها لو سمحتي، كنسلي الحجز بتاعهم كله، مش بس تذاكر الطيران، ادخلي على السيستم والغي حجز أجنحة الأوتيل في باريس، والرحلات الخاصة، وحجوزات المطاعم. كل حاجة مربوطة ببطاقتي وحسابي، الغيها حالاً.
دينا بدأت تصرخ وسط المطار أنتِ أكيد بتهزري! لبسي، والشنط اللي لميتها، والصور اللي قولت لأصحابي إني هصورها! أنتِ بتدَمري حياتي عشان حتة كرسي؟
بصيتلها وقولت لأ يا دينا، أنا مش بتدمر حياتك... أنا بس مبقتش بدفع تمنها.
أبويا حاول يقرب مني تاني ويزعق ويستعرض قوته أنتِ فاكرة نفسك إيه؟ هتمشينا على مزاجك عشان كام قرش؟ إحنا أهلِك!
رجعت خطوة لورا وقولتله وأنا بصلة في عينه الأهل مبيجوعوش على حساب بنتهم، والأهل مبيضربوش بنتهم في وسط المطار عشان يراضوا