ضريني قلم في المطار حكايات صافي هاني
المحتويات
الناس وبتصرف يمين وشمال، اتقطعت عنكم من اللحظة دي. والبيت اللي أنتوا قاعدين فيه... الإيجار بتاعه مش هيدفع الشهر الجاي.
الموظفة بدأت تضرب على الكيبورد بسرعة، وبصتلي وقالت تم الإلغاء يا فندم. وبناءً على شروط الحجز، ٨٠٪ من الفلوس هترجع لحسابك البنكي خلال ٥ أيام عمل.
أمي قعدت على الشنطة وبدأت تعيط وتولول فضحتنا، بنتي بتطردنا في المطار وتضيع شقانا!
وأبويا واقف مشلول، مستوعب لأول مرة إن البنت المطيعة اللي كانت بتشيل شيلتهم بقالها سنين، هي هي نفس الشخص اللي يقدر يهد سقف البيت فوق دماغهم بكلمة واحدة.
الموظفة طبعت تذكرتي أنا بس، وادتني الباسبور وقالتلي بابتسامة حقيقية رحلة سعيدة يا آنسة فريدة. بوابتك رقم ١٢، والدرجة الأولى جاهزة لاستقبالك.
أخدت شنطتي الصغيرة، لفت ضهري ليهم، ومشيت خطوتين، وبعدين التفت وقولتلهم جملة أخيرة رحلة سعيدة في الأتوبيس وأنتوا راجعين البيت... تيكت الرجوع ملوش مسترد.
وسبتهم واقفين وسط الشنط في صالة المطار، والناس كلها بتبصلهم بشماتة، ودخلت البوابة وأنا حاسة لأول مرة في حياتي... إني حرة، والجو هادي جداً.
قعدت في كرسي الدرجة الأولى، المضيفة جابتلي عصير وفويل دافي لوشي. حطيت الفويل على خدي اللي كان لسه واجعني ومحمر من القلم، بس الوجع ده كان عامل زي المنبه اللي صحاني
فتحت تليفوني قبل ما الطيارة تقلع عشان أعمل حاجة واحدة أخيرة عملت بلوك لأبويا، وأمي، ودينا من كل حتة... واتساب، فيسبوك، مكالمات. مش عايزة أسمع صوت عياط، ولا تهديد، ولا نبرة الندم المزيفة اللي هيستعملوها لما يروحوا ويلاقوا مفيش فلوس في الفيزا.
قَفلت التليفون تماماً، وسندت راسي لورا. لأول مرة من سنين مفيش إيميل شغل مستني ومفيش مكالمة من أمي بتقولي أختك محتاجة. نمت أعمق نومة نمتها في حياتي، لدرجة إني مصحيتش غير والطيارة بتلمس أرض مطار شارل ديغول في باريس.
نزلت من الطيارة، الجو كان بارد ومنعش. أخدت شنطتي وطلعت برة، لقيت السواق الخاص اللي كنت حجزاه ومكسلتوش واقف رافع لافتة مكتوب عليها اسمي الآنسة فريدة.
سألني بذوق وهو بيشيل الشنطة باقي العائلة فين يا فندم؟
ابتسمت وقولتله الرحلة اتغيرت... أنا لوحدي.
وصلت الأوتيل، وبدل ما كنا هنزنق نفسنا كلنا في جناحين عشان نوفر، الأوتيل عملي ترقية لجناح ملكي يطل على برج إيفل مباشرة لأن الحجوزات التانية اتلغت. وقفت في البلكونة والمسك بيتحرك في الهوا، وبصيت على النهر... كنت المفروض أكون هنا وبجري ورا دينا عشان أصورها، وبدفع تمن عشا أبويا الغالي وهو بيبصلي بقرف، وبسمع تلميحات أمي إني كبرت ومفيش عريس هيقبل بيا.
بدل كل ده،
بعد تلات أيام، فتحت التليفون عشان أطمن على حسابي البنكي. لقيت رسالة من البنك بتأكد رجوع ٨٠٪ من فلوس الحجوزات الملغية، ولقيت كمان إيميل من صاحب البيت اللي أهلي قاعدين فيه في مصر بيقولي يا آنسة فريدة، والدك كلمني وبيقول إن الفيزا بتاعته مش شغال وطلب يأجل إيجار الشهر ده، وأنا قولتله إني بتعامل معاكي أنتِ مش معاه، فهل هتحولي الإيجار؟
رديت عليه في ثانية واحدة مساء الخير يا فندم. أنا ماليش علاقة بالعين دي من النهاردة، ومسؤليتي عن الدفع انتهت. تقدر تتخذ الإجراءات القانونية معاهم لو مدفعوش.
قفلت التليفون وتنهدت. القلم اللي أبويا ادهوني في المطار كان فاكر إنه هيكسرني بيه ويخليني أركع، بس هو في الحقيقة كان الإمضاء على وثيقة حريتي. هما خسِروا البنت اللي كانت شايلاهم على كتافها، وأنا كسبت نفسي... ودي كانت أحلى رحلة عملتها في حياتي.
عدى أسبوع كامل في باريس. أسبوع مكنتش بعمل فيه حاجة غير إني بتمشى على نيل باريس، باكل في مطاعم هادية، وبشتري لنفسي لبس وحاجات عمري ما فكرت أجيبها لأني كنت دايماً بوفر عشان مصاريف العيلة.
يوم رجوعي مصر، فتحت البلوك عن رقم أمي لسبب واحد بس كنت عايزة أعرف هما هببوا إيه، وعايزة أحط النقط على الحروف الأخيرة
أول ما فتحت الخط، التليفون م بطلش رن. دقيقة والاقي أمي بتتصل وهي بتعيط صريخ
الحقينا يا فريدة! أبوكي هيموت من حسرته، وصاحب البيت جابلنا غفر وعايز يرمي حاجتنا في الشارع لو مدفعناش الإيجار المتأخر! وأختك دينا من ساعتها قافلة على نفسها الأوضة وبتعيط عشان أصحابها عرفوا إننا مسافرناش وطلع شكلها وحش قدامهم!
قعدت على الكرسي في مطار باريس وأنا بسمع صوتها الهستيري ببرود تامت وجاوبتها بنبرة هادية
وشكل دينا قدام أصحابها أهم عندك من قمي اللي أخدته من أبويا قدام المطار كله يا ماما؟
أمي سكتت ثانية، وبعدين قالت بلجلجة
يا بنتي المسامح كريم، وأبوكي راجل كبير وضغطه علي، وهو ندمان.. اخصمي تمن الإيجار من فلوسك وحوليها لصاحب البيت وأنا هخليه يكلمك يعتذرلك.
ضحكت بصوت عالي كفاية إن المارين يبصوا عليا
يعتذرلي؟ بعد إيه؟ أبويا مش ندمان إنه ضربني، أبويا ندمان على المحفظة اللي كانت بتمشيله البيت والرحلات والمنظرة قدام الناس. قولي لأبوكي يبيع تليفونه ولا ساعته ويدفع الإيجار، ودينا الهانم تروح تشتغل عشان تصرف على لبسها ومنظرتها. أنا من النهاردة مسؤولة عن فريدة وبس.
أمي صرخت
هتتخلي عن أهلك يا فريدة؟ هترميهم في الشارع؟
قولتلها
أنتوا اللي رميتوني لما وافقتوا إني اتهان
متابعة القراءة