ضريني قلم في المطار حكايات صافي هاني
لأختي. أنتوا اللي اختارتوا دينا ودلعها، خلي دينا بقى تدفع الالتزامات.
وقبل ما تقفل، سمعت صوت أبويا من بعيد وهو بيزعق بضعف وقهر سيبك منها دي بنت عاقة!
ابتسمت وقولت عاقة بس كنتوا عايشين من خيرها.. سلام يا ماما.
عملت بلوك تاني، بس المرة دي للمرة الأخيرة وللأبد.
ركبت طيارة الرجوع، وأنا ببص من الشباك على السحاب. مكنتش حاسة بأي ذنب، بالعكس، كنت حاسة بنظافة وراحة نفسية عمري ما دوقتها. القلم اللي كان مقصود بيه يكسرني، كان هو السبيل الوحيد اللي فوقني وخلاني أقطع الحبل السري اللي كان بيمص دمي وفلوسي وطاقتي.
نزلت مطار القاهرة، أخدت شنطتي، وطلعت ركبت تاكسي لبيتي الجديد اللي أجرته لوحدي، بعيد عنهم وعن مشاكلهم. قفلت الباب ورايا، رميت المفاتيح، وقولت لنفسي أهلاً بيكي في حياتك الجديدة يا فريدة.
الحياة الجديدة بدأت فعلياً من اللحظة دي.
عدت الشهور، وطبعاً المحاولات مخلصتش في الأول؛ كانوا بيبعتوا قرايبنا، خلاتي وعمامي، يكلموني ويقولوا لي يا فريدة لحمك ودمك، وأبوكي مهما كان غلطان ميتشالش منه، والبيت هيتخرب. كنت برد بكلمتين اتنين بس اللي صعبانين عليه.. يشيلهم هو. ومحدش من القرايب طبعاً كان مستعد يدفع جنيه واحد من جيبه، فكلهم سكتوا والزن قَل.
عرفت بعد كده من
لأول مرة في حياتهم، عرفوا قيمة القرش، وعرفوا يعني إيه مسؤولية.. ويعني إيه فريدة.
أما أنا؟ فحياتي اتقلبت ١٨٠ درجة. الفلوس اللي كانت بتضيع على طلباتهم ودلعهم، بدأت تظهر عليا وعلى صحتي ونفسيتي. ركزت في شغلي أكتر، وأخدت ترقية كبيرة في شركة الاستشارات، وبقى عندي حساب توفير محترم باسمي وبس. اشتريت عربية جديدة، وبقيت أسافر كل كام شهر بلد شكل.. بس المرة دي لوحدي، أو مع ناس بيحبوني وبيدعموني بجد.
خدي اللي اتضرب بالقلم ده خف من زمان، ومبقاش فيه أي أثر للوجع.. بس الأثر الحقيقي فضل جوايا؛ خلاني بنت قوية، مبتسمحش لحد يستغلها تحت مسمى العيلة أو الواجب.
في يوم من الأيام، كنت قاعدة في كافيه في الزمالك، وجاتلي رسالة على التليفون من رقم غريب. فتحتها لقيتها من دينا. كانت كاتبة فريدة.. أنا آسفة. إحنا بجد تعبانين من غيرك، والبيت ملوش طعم،
بصيت للرسالة للحظات. زمان، كنت هعيط وهحجز أول تاكسي وأروح ليهم والفلوس في إيدي. لكن دلوقتي؟ م حسيتش بأي حاجة. مكنش فيه كره، بس مكنش فيه حنين كمان.. كان فيه فراغ تام.
مسحت الرسالة، وعملت للرقم الغريب بلوك.
شربت قهوتي، وبصيت للنيل اللي قدامي والجو كان بيقفل ويدخل على المغرب.. ابتسمت لنفسي وقولت القصة دي اتقفلت خلاص.. والصفحة الجديدة مفيهاش مكان للي هانوا قلبي. قمت، حاسبت، ومشيت في طريقي وأنا باصة قدامي وبس.
مرت سنتين كاملين. سنتين مسمعتش فيهم صوت حد منهم، وبقت حياتي هادية ومستقرة لدرجة إني نسيت شكل الوشوش اللي كانت بتستنزفني.
في يوم، كنت معزومة على حفلة تخرج بنت واحدة صاحبتي في شيراتون. كنت لابسة فستان شيك ومبسوطة، وبضحك من قلبي وسط الناس. وأنا واقفة عند البوفيه بجيب عصير، عيني جت على بنت واقفه بتنضف التربيزات وتلم الأطباق الفاضية.
البنت كانت لامت شعرها ومبهدلة، ووشها تعبان جداً.. ركزت في ملامحها وفجأة قلبي دق بسرعة.
دينا.
أختي الصغيره اللي كانت بتتبروز على إنستجرام كأنها بنت بنوت هانم، واقفة بتشتغل في قاعة حفلات وبتخدم على الناس عشان تطلع بقرشين. في اللحظة دي، هي كمان لفت وشها وعينها جت في عيني.
أول ما شافتني، الأطباق كانت هتقع من إيدها. برقت وبصت لفستاني، ل ساعتي، ل شكلي اللي بقى مرتاح ومنور. ملامحها اتقلبت في ثانية من الصدمة للكسرة.. للغل.. وبعدها نزلت راسها الأرض وبقت تحاول تستخبى ورا زمايلها في الشغل عشان مش قادرة تواجهني.
أنا مروحتلهاش، ولا شمت فيها، ولا حتى حاولت أحرجها. أخدت كاسي، لفيت ضهري بكل برود ورجعت لصاحبتي أكمل كلامي وضحكي. الكسرة اللي شوفتها في عينيها كانت الرد الإلهي العادل على كل سنين الأنوجانية والدلع اللي عشتها على قفايا.
وأنا راجعة بيتي بالليل بالعربية، كنت سايقة وبسمع مزيكا هادية. افتكرت اللحظة دي واكتشفت حاجة مهمة جداً أنا م بقتش بحس ناحيتهم بحقد ولا غل، ولا حتى برغبة في الانتقام. هما بقوا بالنسبة ليا مجرد ناس غرباء شوفتهم في الشارع.
القلم اللي أبويا ادهوني في مطار LAX زمان، كان أقسى حاجة حصلتلي في حياتي، بس كان هو برضه الجراحة المؤلمة اللي شالت الورم اللي كان بياكل في عمري.
وصلت تحت بيتي، ركنت عربيتي، وبصيت لوشي في المراية.. الخد اللي اتضرب بقى بيضحك ومرتاح، والعين اللي بكت من القهر بقت باصة للمستقبل بكل ثقة. نزلت من العربية، قفلتها، وطلعت شقتي وأنا عارفة إن فريدة القديمة ماتت في المطار.. وفريدة الجديدة