ك
دميه في القبر المزيف حكايات صافي هاني
أول مرة حفرت فيها سمر بإيديها من غير ما تفكر، ما كانش الموت في بالها خالص.. كان كل همها في فردة شراب.
فردة شراب بيضا صغيرة، فيها فتلة مبرومة ودايبة عند الكعب. نوح كان لابسها الصبح في اليوم اللي اختفى فيه.. قبل ست أيام بالتمام من ما تظهر كومة التراب الغريبة والمقشفة دي ورا البيت الإيجار اللي سمر قاعدة فيه، قريبة من السور.
المنطقة كانت غرقانة بمية المطرة بعد العاصفة، وطين الأرض كان محشور تحت ضوافرها وهي بتهبش في التراب بكل غلها. وراها كانت واقفة مدام سلوى، جارتها اللي من يوم الخطف وهي داخلة خارجة عليها بصواني الأكل والدعوات المستجابة، كانت واقفة بتترعش عند بوابة الجنينة المكسورة.
سمر، سلوى همست وهي مرعوبة بلاش يا بنتي.. سيبي التراب وقومي خليني أكلم الشرطة.
بس سمر ما كانتش سامعة ولا قادرة تقف.. عشان كانت شافت.
شافت رجل عيل صغير.
صغيرة.. بيضا.. ونصها مدفون في الطين.
في ثانية واحدة، الدنيا كلها اسودت واختصرت في الرجل دي، في لفة الكاحل الناعمة، في فردة الشراب البيضا المميزة بالفتلة المبرومة عند الكعب. سمر صرخت صرخة مكتومة ما تطلعش من بشر.. رمت نفسها على الأرض وبقت تحفر بأسرع ما عندها، ودموعها نازلة لدرجة إنها مش عارفة تاخد نفسها.
نوح! صرخت وهي بتموت من العياط لأ.. لأ يا حبيبي لأ.. ماما هنا.. ماما جنبك يا روحي.
سلوى كمان انهارت من العياط.
ريحة الجو كانت مليانة بطين ومطر وندى الشجر، مع طعم مر في الحلق من الخوف والرعب. وفي نفس الوقت، كان صوت غسالة شغال في بيت من البيوت اللي في الشارع.. صوت طبيعي وعادي جداً، وكأن حياة سمر ما اتدمرتش واتقلبت
صوابعها لمست قماش.. شدته بكل قوتها.
الجسم كله طلع في إيدها مرة واحدة.
سمر صرخت تاني، بس الصرخة المرة دي اتكتمت في زورها واتحولت لذهول وصدمة، وبعدها لرعب، وفي الآخر سكتت خالص سكوت يوجع من كتر قسوته.
ده مش نوح.
دي كانت عروسة لعبة.
عروسة بلاستيك تقيلة، ملامحها حقيقية جداً، ملبسينها السالوبيت الأزرق بتاع نوح، وفي رجلها فردة شرابه البيضا، وحوالين معصمها البلاستيك غويشة المستشفى الصفراء بتاعة الولادة.
سلوى حطت إيديها الاتنين على بؤها من الصدمة.
يا لهوي يا رب! همست وهي مش مصدقة مين ابن حرام اللي يعمل عملة زي دي؟
سمر بحلقت في عينين العروسة المرسومة.. كانت مفتوحة ومبرقة، وباصة للسما المغيمة. وحوالين رقبتها كان متعلّق قفل فضة صغير.. قفل السبوع بتاع نوح، اللي سمر قلبت عليه البيت تلات أيام وقالوا لها إنه ضاع.
شالت العروسة بالراحة، والطين نازل يسيل على خدها البلاستيك.
سمر قالت وهي مبرقة في حد عاوز يفهم الناس كلها إني اتجننت.
على ما الشرطة وصلت، كان نص المنطقة واقف برا السور بيتفرجوا وعاملين نفسهم مش باصين. العقيد مروة شكري ركعت على ركبها جنب الحفرة وعلى وشها علامات الجدية والضيق، وفي نفس الوقت كان في أمينين شرطة بيصوروا الحفرة والعروسة والشراب والغويشة والبوابة وإيدين سمر اللي كلها طين.
بعد عشر دقائق، وصل وائل جوزها راكب عربية والدته اللينكولن السودا.. قميصه متبهدل وخارج برا البنطلون، ووشه هربان منه الدم.
شاف العروسة وهي محطوطة في كيس الأحراز.
وشاف سمر واقفة حافية في الطين.
وبعدين بص للحفرة اللي في الأرض.
إيه اللي
سمر لفت له ببطء شديد.
أنا برضه اللي هببت؟
عينيه زاغت وبان فيها الخزي، بس ما سحبش كلمته.
ومن وراه، نزلت والدته من العربية.
الحاجة فوزية ما كانتش مستعجلة.. ما اتكعبلتش.. ولا صرخت صرخة الجدة اللي حفيدها ابن الست شهور اختفى من أقل من أسبوع.
بالراحة وبكل برود، فردت بلوزتها الحرير البيج، ورفعت راسها لفوق، وبصت للمشهد بنظرة باردة تخوف.. شبه النظرة اللي بتبص بيها ست بيت لحتة سجاد غالية اتبهدلت.
اتنهدت بملل وقالت
يا سمر.. يا ترى ناوي تعملي إيه تاني في العيلة دي؟
الحاجة فوزية كملت كلامها وهي بتطوح إيدها في الهواء بتمثيل رخيص مش كفاية ابني اللي حاله وقف وشهره اتمسح في المنطقة بسبب إهمالك؟ كمان جاية تفضحينا وتلمي علينا أمة لا إله إلا الله عشان شوية لعب عيال؟
وائل وقف يبص لأمه وبعدين لسمر، وعينيه رايحة جاية بينهم زي البندول، الخوف كان عاميه لدرجة إنه مش قادر ينطق بكلمة حق.
العقيد مروة شكري قامت وقفت، نفضت التراب من على بنطلونها وبصت لفوزية بنظرة خلت الست الكبيرة تبربش وتاخد خطوة لورا. مروة شاورت لأمين الشرطة وقالت بنبرة حاسمة حطوا العروسة دي في الأحراز، وخدوا البصمات من عليها ومن على القفل الفضة.. مش عاوزة فوتوفة واحدة تضيع.
سمر ما كانتش سامعة كل الرغي ده.. عينيها كانت متعلقة بوائل. شافت في عينيه اللمعة اللي عارفاها كويس، لمعة العيل الصغير لما يتفضح وهو بيسرق.
قامت وقفت بالراحة، والطين بيقع من لبسها، وقربت منه لحد ما بقت أنفاسها في وشه. وقالت بصوت واطي ومزلزل القفل الفضة ده.. قفل السبوع بتاع نوح.. ما حدش كان يعرف مكانه
وائل وشه جاب ألوان، وبلع ريقه بصعوبة أنتِ.. أنتِ بتخرفي بتقولي إيه؟ أمي هتعمل كده ليه؟
عشان تاخد الواد! سمر صرخت فجأة بكل قهرها، الصوت طلع من قلبها شرخ هدوء الشارع كله عشان هي من يوم ما اتجوزنا وهي شايفة إني ما ستاهلش أبقى أم لحفيدها! عشان من أول يوم خطف وأنتوا بتزنوا على ودني إني تعبانة نفسياً ولازم أتعالج! أنتوا اللي خطفتوا ابني.. أنتوا اللي عملتوا التمثيلية دي عشان تجننوني!
فوزية شهقت وحطت إيدها على صدرها يا لهوي! سامع يا وائل؟ سامع المجرونة بتتهمنا بإيه؟ ده أنا كنت ببيع دهبي عشان خاطر قرة عيني!
في اللحظة دي، مروة شكري قربت من سمر وبصت لها ب حنان حقيقي وقالت يا مدام سمر، اركبي معايا عربية البوكس، هنروح القسم ونعمل محضر رسمي، وحقك وحق ابنك مش هيضيع، بس لازم نمشي بالقانون.
سمر هزت راسها، وهي بتبص لوائل وفوزية نظرة توعد هدت الحارة كلها. ركبت العربية وجنبها سلوى اللي كانت بتطبطب عليها وهي بتبكي.
العربيات مشيت، والشارع بدأ يفضى، بس فيكتوريا.. قصدي فوزية، لفت لوائل وقالت له بلهجة حادة وواطية لم نفسك واطلع ورايا على البيت.. اللعبة وسعت مننا والبت دي مش هتهدى.
لما سمر وصلت القسم، كانت قاعدة على الكرسي وجسمها كله بيترعش، مش من البرد، من الغل. مروة شكري دخلت المكتب ومعاها تقرير مبدئي، قفلت الباب وبصت لسمر وقالت مدام سمر.. إحنا فحصنا العروسة.. والشراب.. والقفل.
سمر رفعت راسها ودموعها ناشفة لقيتوا إيه يا فندم؟
مروة اتنهدت وقعدت ورا مكتبها العروسة عليها بصمات