ك

دميه في القبر المزيف حكايات صافي هاني

لمحة نيوز

ممسوح من عليه البصمات تماماً، كأن اللي حطه كان لابس جوانتي. بس في حاجة تانية.. تليفون جوزك جاله رسالة من ربع ساعة من رقم مجهول.. المعاينة للمسجات أثبتت إن الرقم ده بعت له لوكيشن.. لوكيشن لبيت قديم بتاع عيلتكم في أطراف العياط.
سمر قلبت اتخطف، وقامت وقفت نوح هناك! نوح في بيت العياط!
مروة مسكتها من إيدها اهدئي.. إحنا وجهنا قوة لهناك حالا. بس في حاجة أغرب.. لما فتشنا عربية اللينكولن بتاعة والدته اللي كانت واقفة بره.. لقينا في التابلوه نوتة صغيرة.. مكتوب فيها بخط اليد تم التسليم.. الباقي بعد ما تطلع شهادة المعاملة النفسية للام.
سمر حست إن الأرض بتلف بيها.. النوتة دي كانت بخط فوزية. الخطة ما كانتش بس خطف.. الخطة كانت إنهم يرموا نوح في أي حتة، ويطلعوا سمر مجنونة رسمي عشان وائل ياخد الوصاية الكاملة على الواد وعلى الورث اللي سمر ورثاه من أبوها!
في اللحظة دي، تليفون مروة رن. ردت بسرعة، وسمر كانت بتسمع وهي حاطة إيدها على قلبها.
مروة وشها اتغير، وبصت لسمر وقالت القوة وصلت بيت العياط يا سمر.. ولقوا..
لقوا إيه؟ سمر نطقت الكلمة وهي حاسة إن روحها بتتسحب منها، رجليها ما بقتش شايلاها وسندت على مكتب مروة بكل قوتها، نوح جرى له حاجة؟ أنطقي يا فندم بالله عليكِ!
مروة مسكت إيد سمر وضغطت عليها جامد عشان تطمنها لقوا نوح يا سمر.. نوح عايش وتمام وزي الفل، بس...
سمر ما استنتش
تسمع ال بس، دموعها نزلت زي الشلال وسجدت على أرض المكتب المتبهدلة بالطين، بقت تبكي وتشكر ربنا بصوت هز الحيطان. مروة سابتها ليلتين لحد ما هديت وقومتها، وكملت كلامها ونبرتها فيها غضب مكتوم
بس الواد ما كانش لوحده يا سمر.. القوة لقت معاه في البيت القديم ده ست شغالة عند حماتك، والست دي اعترفت بكل حاجة أول ما شافت البوكس.. اعترفت إن فوزية هي اللي مخططا لكل ده، وإنها كانت ناوية تسفر الواد برة مصر عند أخت وائل في الخليج، بعد ما تخلص إجراءات الحجر عليكِ وتثبت إنك مجنونة في السجلات الرسمية.
في نفس اللحظة، الباب اتفتح ودخل أمين شرطة وهو ماسك وائل وفوزية من إيديهم والكلابشات في إيديهم.
فوزية كانت لسه بتكابر، وشها أصفر وزي الليمونة المعصورة بس لسه لسانها طويل أنتوا مش عارفين أنا مين؟ أنا هخرب بيوتكم كلكم! والبت المجرونة دي هي اللي متبلية علينا!
سمر لفت لها.. المرة دي ما كانش في عياط ولا قهر، كان في برود ونظرة قوة تخوف. قربت من حماتها بالراحة، وبصت في عينيها وقالت بصوت واطي ومسموع أنا مش هرد عليكِ.. النيابة والقاضي هما اللي هيردوا. بس وحياة حرقة قلبي على ابني الست أيام اللي فاتوا، لأخليكِ تتمني الموت في السجن وم تلاقيهوش.. أنتِ وابنك المقطف اللي واقف وراكِ ده.
وائل كان عمال يعيط زي الحريم ويقول سامحيني يا سمر.. أنا ماليش ذنب، أمي هي اللي لفت على دماغي وقالت
لي البت دي هتاخد الواد وتورث أبوها ومحدش هينوبنا منها حاجة.. سامحيني يا أم نوح!
سمر ما بصتلوش أصلاً، وكأنها بتبص للهوا. التفتت للمحققة مروة وقالت لها أنا عاوزة اروح لابني حالا يا فندم.
مروة ابتسمت لها وأمرت عربية شرطة مخصوص تاخد سمر لبيت العياط.
طول الطريق، سمر ما كانتش شايفة الشوارع ولا البيوت، كانت شايفة بس وش نوح. وأول ما العربية وقفت قدام البيت القديم، نزلت تجري زي المجنونة، دخلت لقت الضابط قاعد وحاضن الواد الصغير بيلعبه.
نوح أول ما شاف أمه، ضحك وطلع صوت صغنن ومد إيديه ليها. سمر خطفته في حضنها، وقعدت في الأرض وهي بتشمه وبتعيط، وتأكدت إن فردة الشراب التانية كانت في رجله فعلاً.. الشراب الأصلي مش اللعبة.
ضمت ابنها لقلبها بكل غلها، وقالت له وهي بتبوس راسه خلاص يا قلب ماما.. الكابوس خلص، ومحدش في الدنيا دي هيقدر يبعدك عن حضني تاني.
مرت السنين، ونوح كبر وبقى طول أمه.
واقف قدام المراية في الصالة بيظبط قميص التخرج بتاعه، وسامع صوت أمه في المطبخ وهي بتعمل شربات الورد وصوت زغاريطها مالية الشقة الجديدة.
سمر خرجت من المطبخ، شعرها بقوا فيه كام خصلة بيضا بيحكوا قصة الوجع القديم، بس وشها كان منور وضحكتها مالية الدنيا. بصت لابنها اللي بقى راجل يملى العين، ودموع الفرحة لمعت في عينيها.
قربت منه وبقت تظبط له ياقة القميص بإيدها اللي لسه فيها آثار خفيفة من تعب
السنين، وقالت بنبرة كلها فخر مبروك يا باشمهندس نوح.. مبروك يا قلب أمك. اليوم ده أنا عشت عشانه وبس.
نوح مسك إيدها وباسها بكل حنية الله يبارك فيكِ يا ست الكل.. لولاكِ ولولا وقفتك معايا وضهرك اللي ما انحناش أبداً، ما كنتش هبقى واقف الوقفة دي النهاردة. أنتِ اللي عملتيني يا أمي.
في اللحظة دي، تليفون سمر رن برقم غريب. ردت وهي بتضحك ألو؟
جالها صوت مكسور، ضعيف، وخايف من الناحية التانية.. صوت كانت تاهت ملامحه بس لسه فاكراه كويس. كان صوت وائل.
سمر؟ أنا وائل.. أنا خرجت يا سمر. خرجت ومش لاقي حد، وأمي ماتت في السجن من سنتين.. أنا تعبان وماليش مكان أروحه، ونفسي بس أشوف ابن...
سمر ما سابتهوش يكمل الكلمة. ملامح وشها ما اتغيرتش، ولا اتهزت، ولا حتى غضبت. البرود والقوة اللي اكتسبتهم من زمان بقوا درعها.
بصت لنوح اللي واقف قدامها زي الأسد، ورجعت عينها للتليفون وقالت بكل ثبات وثقة الرقم ده غلط يا أستاذ.. أنت ماليش عندك حاجة، وابني ما لوش أب.. أبوه مات من يوم ما حفرت بإيدي في الطين.
وقبل ما تسمع رده، قفلت السكة وعملت للرقم حظر، ورمت التليفون على الكنبة وكأن شيئاً لم يكن.
لفت لنوح وابتسمت له ابتسامة صافية وقالت يلا يا حبيب ماما عشان ما نتأخرش على الحفلة.. أصحابك مستنيينك.
نوح ابتسم وأخدها في حضنه، وخرجوا مع بعض وقفلوا وراهم باب الشقة.. قفلوه على الماضي كله، وبصوا لطريقهم
الجديد اللي كله نور وأمل.

تم نسخ الرابط