نصف زوج حكايات صافي هاني

لمحة نيوز

وابتسم ابتسامته الصافية اللي خطفت قلبي من أول يوم. مسك إيدي وقال الكلمتين اللي عمري ما هنسى أثرهم فيا يا حبيبتي، أنا عمري ما كان عندي مشكلة مع طولي، أنا متصالح مع نفسي وعارف أنا مين وقيمتي إيه.. المشكلة كانت عندهم هما، النقص كان في عيونهم مش فيا. أنا ما وافقتش أديهم الفلوس عشان أشتري اعتذارهم ليا، أنا عملت كده عشان أشتري ليكي إنتي راحة البال، وعشان لما يفتكروني بعد كده، يعرفوا إن الراجل مش بالسنتيمتر، الراجل بموقفه وأصله.
في اللحظة دي، نزلت دمعة من عيني بس المرة دي كانت دمعة فخر. عرفت إن ربنا عوضني بيه عن كل قسوة الدنيا، وإن الشرط اللي حطه ما كسرش أهلي، ده كان الدوا اللي فوقهم وعرفهم إن القيمة الحقيقية للبني آدم بتكون في قلبه وعقله، مش في مظهره ولا طوله. من اليوم ده، علاقتي بأهلي اتغيرت تماماً، وبقوا هما اللي بيدوروا على رضا جوردان وبيعملوا له ألف حساب، مش خوفاً منه، بس احتراماً وتقديراً للراجل العظيم اللي
صغرهم بأخلاقه وكبر في نظر الكل.
ومرت الأيام، والفلوس اللي جوردان أداها لأهلي ما كانتش مجرد إنقاذ لشقتهم، دي كانت بداية جديدة ليهم ولقلوبهم. أبويا بدأ يرجع يقف على رجليه في الشغل من تاني، بس المرة دي بكل تواضع، وبقوا هما اللي بيتصلوا يسألوا علينا كل أسبوع ويتحايلوا علينا نروح نتغدى معاهم.
وفي يوم، كنا معزومين عندهم، ولقيت أمي مجهزة السفرة ومكتره من الأصناف اللي جوردان بيحبها. وأول ما قعدنا ناكل، أبويا بص لجوردان وقال قدام الكل بنبرة كلها فخر يا جوردان يا ابني، أنا عارض عليا مشروع جديد في المقاولات، ومش هخطو فيه خطوة واحدة ولا همضي عقد إلا لما تديني رأيك وهندستك للمشروع.. إحنا بنكب
ر بيك.
جوردان ابتسم وهز رأسه بالموافقة، وبصلي وغمزلي بعينه. في اللحظة دي افتكرت كلام أبويا يوم الفرح لما تريق وقال يارب عيالهم يطولوا الترابيزة، وبصيت على السفرة ولقيت إن جوردان فعلاً بطيبته وأخلاقه ونجاحه، بقى هو راس الترابيزة وسند
العيلة كلها والكل بيلف حواليه.
القصة دي علمتني إن الرد على الإهانة مش لازم يكون بقلة الأدب ولا بالانتقام، ساعات الرد بيبقى بالنجاح والترفع، وبإنك تسيب بأخلاقك علامة تخلي اللي ظلمك يصغر قدام نفسه، ويكتشف إن القيمة الحقيقية للبني آدم هي اللي جوة قلبه وعقله، مش أي حاجة تانية. وجوردان عاش وهيفضل في نظري ونظر الدنيا كلها.. سيد الرجالة
وبعد سنتين من اليوم ده، ربنا رزقنا بأول طفل.. ولد زي القمر. لما عرفت إني حامل، كان جوايا خوف دفين من مواجهة أهلي، وكنت شايلة هم نظراتهم وكلامهم لو الولد طلع مصاب بنفس مرض جوردان.
يوم الولادة، المستشفى كانت مليانة، وأبويا وأمي كانوا أول الناس اللي واقفين برة الأوضة مستنيين. أول ما الممرضة خرجت بالبيبي، جوردان أخد ابنه في حضنه وعينه مدمعة من الفرحة.. الولد اتولد طبيعي ومش مصاب بالمرض، بس الأجمل من كده كان رد فعل أبويا.
أبويا قرب من جوردان، وبص للبيبي، وبعدين بص لجوردان وقال وعينه مليانة
دموع مبروك يا ابني.. يتربى في عزك، وأنا كل اللي بتمناه من الدنيا إن الواد ده لما يكبر، يطلع راجل بجد وجدع وعنده أصل.. زيك بالظبط.
أمي أخدت الولد في حضنها وقالت ده هيبقى حبيب تيتة، وهنكبره على إنه يشوفك قدوته في كل حاجة.
في اللحظة دي، لفيت وشي لجوردان والدموع في عيني، ولقيته بيبتسملي نفس الابتسامة الهادية بتاعة زمان. كل الوجع اللي عشته على مدار سنين داب واتبخر في ثانية. جوردان ما كسبش بس احترامهم، ده غير تفكيرهم ونظرتهم للحياة وللناس بالكامل.
عشنا حياتنا بعد كده في هدوء وسلام، وأهلي بقوا بيتباهوا بجوردان قدام كل قرايبنا وأصحابهم، وكل ما حد يجيب سيرته في قعدة، أبويا يقاطعهم ويقول ده جوردان جوز بنتي.. ده مهندس عبقري، وأهم من الهندسة، ده الراجل اللي سندنا في وقت ضيقتنا وشالنا فوق راسه.
وعرفت وقتها إن الحياة بتدور، وإن الحق والخير هما اللي بيعيشوا في الآخر، وإن جوردان بطوله الصغير ده، كان أطول وأكبر من كل عقد المجتمع
ونقصه.

تم نسخ الرابط