طفل يوقف مافيا حكايات صافي هاني

لمحة نيوز

ابن الشغالة اللي زحف في وسط تنفيذ عملية مافيا... وخلاه يتجمد في مكانه لما الطفل اتعلق بيه، وخلى أكتر راجل بيترعبوا منه في إسكندرية ينزل سلاحه... وبعد كده اللي عمله صدم الكل.
جلال الألفي كان خلاص أخد قراره إن الراجل اللي واقف قدامه ده هيموت.
القرار كان مالي الأوضة زي حكم محكمة محفور في صخر.
المطر كان بيرزع في الشبابيك الطويلة بتاعة قصر كينج مريوط، ومحول الإزاز الأسود لمراية بتترعش. ورا جلال، البرق نور للحظة سقف المكتبة المحفور، ورفوف الكتب المتجلدة جلد طبيعي، ومدفأة الرخام الإيطالي القديمة، والوش المرعوب بتاع طارق غالي وهو مربوط في كرسي فوق السجادة العجمي.
شفايف طارق كانت مفتوحة وبتنزل دم، وعين من عينيه ورمت وقفلت خالص. كان بيحاول يتنفس من بوقه لأن مناخيره كانت مكسورة، وكل نفس كان طالع بصوت مكتوم ومليان عذاب.
يا جلال بيه، طارق كان بيتوسل، وصوته كان بيترعش لدرجة إن الكلام بالعافية طالع مفهوم. والله العظيم ما بعتك. في حد استخدم الكود بتاعي، حد لبسهالي.
جلال كان واقف على بعد تلات خطوات منه والطبنجة البريتا في إيده اليمين.
كان عنده ستة وتلاتين سنة، كتافه عريضة، شياكة متفصلة على الفرازة في بدلة سوداء، وأبرد من العاصفة اللي بتخبط في الشبابيك. قدام الناس، جلال الألفي كان مستثمر في البورصة والشركات، غاوي بيوت قديمة وعربيات أوروبي، وعضو في مجالس إدارات جمعيات خيرية بتعشق شيكاته بس عمرها ما سألت الفلوس دي جاية منين. أما بالنسبة لكل واحد له قيمة تحت وش إسكندرية المتلمع، فكان هو كبير عيلة الألفي، الراجل اللي مسيطر على الموانئ، ونص خطوط الشحن اللي داخلة المطار، وعنده من القضاة والمستشارين ورؤساء النقابات ما يكفي إنه يلوي دراع

المدينة من غير ما يتحرك خطوة.
مكانش طول عمره بالقساوة دي.
بس من سنتين، أخوه الصغير، مازن، اتفرتك حتت في عربية مفخخة على طريق الكورنيش.
ومن بعد الحادثة دي، أي حنية كانت جوا جلال اتدفنت في نفس التربة اللي فيها كفن مازن الفاضي.
جلال رفع السلاح لحد ما نيشان الطبنجة بقى في نص جبهة طارق.
قال بصوت واطي كانت وراك شغلانة واحدة. شحنة واحدة. خط سير واحد. كود واحد. بعد ثمانية وأربعين ساعة، رجالة عيلة الديب عرفوا بالظبط يضربونا فين.
طارق قعد يعيط ويشهق أنا عندي زوجة وبنت صغيرة. أرجوك.
ملامح جلال ما اتغيرتش.
كان لازم تفكر فيهم قبل ما تخونني.
صابعه بدأ يضغط على الزناد.
وفجأة، في حاجة شدت تنيّة بنطلونه.
جلال اتجمد في مكانه.
وكل راجل في الأوضة اتجمد معاه.
الحارسين بتوعه، مراد وائل وسامح جلال، اتلفتوا الأول. الإثنين حطوا إيديهم جوه جواكتهم، وصوابعهم قفلت على سلاحهم، لأن مفيش مخلوق يدخل مكتبة جلال الألفي الخاصة وقت الحساب. مفيش مخلوق.
بس اللي دخل مكانش قاتل محترف من المنافسين.
ده كان بيبي.
طفل صغير، يجي عنده عشر شهور، كان بيزحف على السجادة بعزيمة تخض. كان لابس بنطلون لبني طري، وفردة شراب واحدة، وبلوفر مطرز عليه دبدوب صغنن على الصدر. خدوده كانت مقلبظة، وشعره البني كيرلي ومبلول عند جبهته، وعينيه الواسعة مكنتش باصة على السلاح، كانت باصة على دبوس الكرافتة الفضة بتاع جلال.
الطفل خبط على رجل جلال بإيده الصغيرة المفتوحة.
ونطق بفرحة دادا.
طارق غالي بطل عياط.
مراد همس يا نهار أسود ومنيل.
سامح طلع سلاحه لنصه وبعدين استوعب إنه موجهه لعيّل رضيع.
جلال بص تحت على الإيد الصغننة اللي ماسكة بنطلونه.
ولثانية واحدة مش منطقية، الأوضة شكلها اتغير حواليه.
السلاح، الدم، التهمة، العاصفة، الموت اللي كان خلاص هيتنفذكل حاجة اختفت ورا التقل العجيب بتاع صوابع البيبي ده.
وفجأة، في صرخة هزت الممر بره.
بنت شابة بلبس الشغالات الرمادي دخلت الأوضة جري، ووشها أبيض زي الأموات من الرعب. شعرها الأصفر الغامق كان متبهدل ونازل من الكحكة، والمريلة بتاعتها كانت ملوية كأنها كانت بتجري في البيت وهي مش صيانة قدامها. أول ما شافت البيبي عند رجل جلال، وحواليه رجالة بسلاحهم، طلعت صوت مش بشري من الخضة.
ترمت على ركبها ورمت جسمها كله فوق الطفل.
وهي بتعيط صرخت أبوس إيدك، أرجوك ما تأذيهوش. هو ما يعرفش حاجة. ده لسه لحم دمه.
جسمها كان بيتنفض وهي بتضم الواد بإيديها الإثنين، وبتحمي فيه بضهرها.
جلال كان لسه رافع البريتا.
البنت الشابة بصت له لفوق، والدموع مغرقة خدودها.
وهمست موتني أنا لو عايز. بس هو لأ. أرجوك يا جلال بيه. ابني لأ.
السكوت اللي حل بعد كلامها كان أوحش من صوت ضرب النار نفسه.
جلال بص للأم الأول. كانت ضئيلة، وتعبانة، ممكن يكون عندها خمسة وعشرين سنة. عرف لبس الشغل بتاعها بس ما عرفش وشها. القصر كان بيشغل حوالي تلاتين فرد من خلال شركات بتغير أساميها كل ما جلال يحتاج ده. الشغالين كانوا متدربين يتحركوا في سكات، ويتجنوا الأسئلة، ويختفوا من الأوضة قبل ما يبقوا شهود على حاجة.
والبنت دي فشلت في التلات حاجات.
بعدين جلال بص للبيبي.
الولد بطل ضحك. كان باصص لجلال دلوقتي بعيون واسعة ومليانة فضول.
عيون زرقا.
مش زرقا عادية.
زرقا بتاعة عيلة الألفي.
درجة باهتة ونادرة محوطة بكحلي غامق، مغيمة من الأطراف، ومنورة عند نني العين. جلال كان بيشوف نفس اللون ده كل يوم الصبح في المراية. وشافه في أبوه. وشافه أكتر في مازن،
اللي كان بيضحك ويسخر ويقول إن العينين دي لعنة العيلة، لأن مفيش حد عينيه كدة بيعيش حياة هادية أبدًا.
جلال نزل السلاح.
مراد بص له بسرعة وباستغراب.
يا بيه؟
مراد سأل وعينيه بتتنقل بين الطبنجة والبيبي يا بيه؟ هنعمل إيه في طارق؟
جلال ما ردش عليه. عينيه كانت لسه مثبتة على عيون الواد الصغيرة. نفس النظرة، نفس التحدي اللي كان في عيون مازن الله يرحمه.
البنت الشابة كانت بتترعش تحتيه، كاتمة نفس ابنه وكأنها بتحاول تخفيه جوه ضلوعها، دموعها نزلت على السجادة العجمي وبقت تعمل بقع غامقة.
جلال أخد نفس طويل، وحط الطبنجة في بيت الظهر ورا ظهره، الحركة دي خلّت الأوضة كلها تاخد نفسها.
بص لمراد وقال بصوت هادي بس يرعب فك طارق.
طارق غالي مكنش مصدق، افتكر نفسه بيحلم، وقعد يكدب عينيه وهو شايف مراد بيقرب منه بسكينة وبيقطع الحبال اللي مكتفاه. طارق اتفرد على الكرسي وهو بيلهث، ماسك صدره ومش قادر يقف على رجليه.
جلال وطي على ركبة ونص قدام الأم والطفل. البنت اتفزعت ورجعت لورا وهي ضامة ابنها أكتر، بس جلال ممدش إيده يأذيها. هو بس مد صابعه الكبير، ولمس خد الولد الصغير براحة.
الواد أول ما صابع جلال لمس خده، ضحك تاني ومسك صابعه بقبضته الصغيرة كلها.
جلال بص للأم وقالها بنبرة واضحة اسمك إيه؟
البنت صوتها طلع بالعافية وهي بتترعش م... منى يا بيه.
جلال والواد ده ابن مين يا منى؟
منى بلعت ريقها والظاهر إنها كانت شايلة سر هيموتها من الرعب، وبصت في الأرض وهي بتقول ابن الأستاذ مازن الله يرحمه... أنا مكنتش عايزة أقول لحد والله يا بيه، ومكنتش عايزة حاجة، أنا بس جيت أشتغل هنا عشان أبقى قريبة من ريحة أبوه، ومحدش كان عارف.
سامح ومراد بصوا لبعض بصدمة، الأوضة اتسحبت منها
النسمة. أخو جلال الصغير اللي مات، ساب وراه حتة منه ومحدش كان يعرف.
جلال
تم نسخ الرابط