طفل يوقف مافيا حكايات صافي هاني
المحتويات
غمض عينيه لثانية، وجع قديم اتفتح في قلبه، بس المرة دي مكانش وجع كره، كان وجع فيه أمل. فتح عينيه وبص لطارق اللي واقف مرعوب في الركن.
جلال قام وقف بطوله، وبص لطارق وقال أنت حسابك معايا مخلصش يا طارق. بس الواد ده شفعلك النهاردة. قدامك 24 ساعة تختفي أنت وعيلتك بره مصر كلها. لو لمحت طيفك في إسكندرية بعد كده، مش هيرحمك غير ربنا. غور من وشي.
طارق مقالش كلمة ثانية، جِري على الباب وكأنه اتكتبله عمر جديد.
جلال التفت لمراد وسامح وقالهم بحسم من النهاردة، منى والواد ده يتنقلوا الجناح الرئيسي فوق. وأي شركة تأمين أو شغالات كانت مسؤولة عنها تتلغي عقودها. الواد ده من عيلة الألفي... يعني من النهاردة ده ابن جلال الألفي.
منى بكت بس المرة دي من الفرحة والصدمة، وجلال وطى وشال الواد الصغير بين إيديه الكبيرة، الواد بصل عيون عمه الزرقا اللي شبه عيونه بالظبط، وضحك، وكأن العاصفة اللي بره القصر بدأت تهدى أخيرًا مراد وسامح ما نطقوش بحرف، هزوا دماغهم بالموافقة وخرجوا من الأوضة في سكات وقفلوا الباب وراهم. الأوضة الكبيرة مابقاش فيها غير صوت المطر اللي بيهدى بره، ونفس منى المكتوم، وصوت ضحكة الواد الصغير وهو بيلعب بالدبوس الفضة في كرافتة جلال.
جلال كان شايل الواد على دراعه وكأنه شايل حتة من دمه اللي ضاع. بص لمنى اللي كانت لسه قاعدة على السجادة ومش قادرة تقف على رجليها من الصدمة والخوف.
جلال مد إيده الشمايل وسندها قومي يا منى. مفيش حد من عيلة الألفي يقعد الأرض تاني.
منى قامت وهي بتترعش، بتبص لجلال وبتبص لابنها اللي في حضنه، ومش مصدقة إن الراجل اللي كان من دقيقة هيدبح بني آدم، هو نفسه
منى دموعها نزلت وقالت أنا أسفة يا جلال بيه... والله العظيم ما كنت عايزة أعمل مشكلة، ولا كنت طمعانة في قرش واحد. أنا بس لما مازن مات، الدنيا ضاقت بيا وملاقيتش مكان أروح فيه، وكنت خايفة أقولكم تفتكروني بتبلى عليه أو طمعانة في ورث.
جلال بص للواد اللي نام على كتفه وغمض عينيه الزرقا، وقال بنبرة هادية بس قاطعة مازن أخويا غلطات كتير، بس إنه يسيب حتة منه ويمشي من غير ما أعرف، دي مكنتش هسامحه عليها لو عايش. بس خلاص... اللي فات مات. أنتِ من النهاردة أم ابن الألفي، يعني ليكي قصر لوحدك، وخدم، والواد ده هيتكتب باسم عيلته، وهياخد كل مليم كان ل مازن وزيادة.
منى بدأت تستوعب إن كابوسها اتقلب لأمان، وهزت راسها وهي بتشكر ربنا في سرها.
جلال مشي ناحية الشباك الكبير، وبص على الجناين الواسعة بتاعة القصر اللي غرقانة بمية المطر. العاصفة اللي كانت جوا قلبه من سنتين عشان موت أخوه، حَس إنها بدأت تصفى لأول مرة. الواد الصغير اتنهد وهو نايم، وجلال طبطب على ضهره براحة.
التفت لمنى وقالها اطلعي ارتاحي دلوقتي في الجناح فوق، الداية والخدم طالعين وراكي. ومن بكرة... إسكندرية كلها هتعرف إن جلال الألفي بقى له ضهر، وإن عيلة الألفي متموتش.
مرت الساعات، والقصر اللي كان دايماً ضلمة وكئيب كأنه مقبرة، بدأ يدب فيه الدفا لأول مرة من سنتين.
جلال كان قاعد في مكتبه، باصص للسرير الصغير اللي أمر الخدم يجيبوه فوراً ويحطوه في ركن الأوضة عشان الواد يفضل تحت عينيه. الواد كان نايم في سابع نومة، حاطط إيده الصغننة تحت خده، ووشه ملائكي مفيش فيه أي هم، وكأنه مش من كام ساعة بس
منى كانت واقفة بعيد شوية، لسه مش مستوعبة الهيبة والمكانة اللي بقت فيها، باصة لابنها وباصة لجلال اللي مطلعش عينه من على الواد.
الباب خبط خبطة واطية، ودخل مراد. وشه كان جد ومشدود.
مراد قرب وهمس لجلال يا بيه، طارق غالي ولمّ حاجته وأخَد عيلته وطلعوا على مطار برج العرب زي ما أمرت. ساب البلد كلها.
جلال هز دماغه من غير ما يلتفت تمام. مش عايز اسمه يتنطق في إسكندرية تاني.
مراد سكت لحظة، وبعدين بص للسرير الصغير وكمل بصوت أوطى وفي حاجة تانية يا بيه... رجالة عيلة الديب بره عرفوا إنك نزلت السلاح النهاردة وما قتلتش طارق. الكلام بدأ يلف في السوق، وفاكرين إن جلال الألفي كبر ودر عزم ومبقاش يخلص حقّه بإيده.
جلال ابتسم ابتسامة باردة، تشيب المحترفين. وقف بطوله، وعدّل جاكيت بدلته، وبص لمراد بعيون قاسية زي الصخر.
جلال قال بصوت فحيح فاكرني ضعفت عشان رحمت عيل؟ هما لسه ما يعرفوش جلال الألفي كويس. عيلة الديب فاكرين إن الشحنة اللي راحت دي هتكسرني، وفاكرين إنهم لما قتلوا مازن كسروا ضهري.
التفت وبص للواد الصغير وهو نايم، وعينيه لمعت بنور غريب أنا مكنتش بحارب عشان المستقبل لأن مكانيش ليا مستقبل... كنت باخد تار وبس. لكن دلوقتي، أنا عندي ولد هيورث كل شبر في المدينة دي. لمّ الرجالة يا مراد.
مراد عينيه وسعت بفرحة شريرة تأمر بإيه يا بيه؟
جلال بص للشباك، وكان المطر وقف وخيوط الشمس بتاعة الفجر بدأت تطلع وتنور سماء إسكندرية بلغ عيلة الديب إن جلال الألفي هيقابلهم بكرة في المينا. واللي افتكروه حنية، هيشوفوا إنه كان الهدوء اللي قبل الإعصار. أنا ههد عيلتهم حجر
مراد هز دماغه وعينيه لمعت بالولاء تأمرك يا بيه. المخازن والرجالة كلهم جاهزين، وعلى إشارة منك هنولع في المينا باللي فيها. ولف وخرج وقفل الباب وراه في سكات.
جلال فضِل واقف مكانه، باصص لنور الفجر اللي بدأ يزحف على أرضية المكتبة.
منى قربت من السرير براحة، وطت شالت ابنها اللي بدأ يتمطع ويفتح عينيه الصغيرين. الواد أول ما فتح عينه وبص لجلال، مد إيديه الإثنين وعمل صوت مناغاة صغير، كأنه بيطلب يروح له.
جلال قرب منهم، ومد إيديه الكبيرة وأخد الواد من منى بسلاسة وحنية متتوصفش. بصلها وقال بصوت دافي بس حاسم جهزي نفسك يا منى. من بكرة الورق كله هيخلص، والبلد كلها هتعرف إن اسمه مازن جلال الألفي. مش هسيب حق أخويا، ولا هسيب حق ابني.
منى هزت راسها ودموع الفرحة في عينيها ربنا يخليك لينا يا جلال بيه، ويمد في عمرك.
جلال أخد الواد وطلع بيه الجناح الرئيسي فوق. القصر اللي كان بقاله سنتين عايش في ضلمة وقسوة، دخلته الشمس النهاردة.
وفي نفس الوقت، تحت في شوارع إسكندرية، كانت رجالة عيلة الألفي بتتحرك في كل مكان؛ العربيات السودا بتقفل المداخل، والسلاح بيتحضر، والكل عرف إن الليلة دي مش هتعطل، وإن قعدة المينا بتاعة بكرة مش هتنتهي غير بدم عيلة الديب كلها.
جلال كان واقف في بلكونة جناحه الفخم، شايل ابن أخوه على دراعه، وباصص للبحر الواسع قدامه. الشمس طلعت بالكامل، وهو بيهمس للواد الصغير نام وارتاح يا حبيب عمك... بكرة المدينة دي كلها هتركع تحت رجليك.
تاني يوم العصر، الجو في مينا إسكندرية
السما كانت مغيمة برصاصي
متابعة القراءة