طفل يوقف مافيا حكايات صافي هاني

لمحة نيوز

تقيل، والموج بيخبط في الرصيف بعنف كأنه حاسس باللي هيحصل. على الرصيف رقم 9، اللي عيلة الألفي مسيطرة عليه من سنين، كانت واقفة خمس عربيات جيب سودا، ورجالة جلال الألفي مقفلين المكان ومأمنين كل المداخل بسلاحهم المخفي تحت الجواكت.
في الممر الواسع بين الحاويات، كان واقف منصور الديب، كبير عيلة الديب، ومعاه تمنية من أشرس رجالته. منصور كان راجل عجوز شعره أبيض، وشه كله غل، وسيجارته في بوقه مابتطفيش. كان فاكر إن سكوت جلال الفترة اللي فاتت وتفويته لطارق غالي معناه إن جلال جاب ورا وبيدور على صلح.
صوت عربية مرسيدس سودا مصفحة كسر السكوت وهي بتهدي وتقف على بعد خطوات منهم.
الباب اتفتح، ونزل مراد الأول، وراه سامح، وبعدين ظهر جلال الألفي.
كان لابس بالطو أسود طويل فوق بدلته، ونظارته السودا مخبية عينيه، وخطوته على الأرض كانت توزن بلد. ملامحه مكنش فيها أي تعبير، برود قاتل يخلي اللي قدامه يقلق.
منصور الديب نفخ دخان سيجارته وضحك بقلة ذوق عاش من شافك يا جلال بيه. قولت نتقابل في المينا عشان نخلص الحساب القديم، وكنت فاكرك هتتأخر، بس الظاهر إن قلبك لسه حامي... ولا يمكن طارق غالي هو اللي خوفك؟
جلال ماردش. مشي بخطوات هادية لحد ما بقى واقف قدام منصور بالظبط. قلع النظارة السودا وحطها في جيب البالطو، وظهرت عيونه الزرقا اللي كانت شبه لون البحر قبل العاصفة بالظبط... عيون مفيهاش ذرة رحمة.
جلال قال بصوت واطي وراسي بس مسموع وسط صوت الموج أنا جيت هنا النهاردة يا منصور مش عشان أتحاسب معاك على الشحنة اللي راحت... الشحنة دي تمنها قرشين وأنا مبقفتش على قرشين.

منصور حواجبة ارفعت باستهزاء أُمال جيت عشان إيه؟ عشان تعزينا في أخوك مازن اللي راح في الوبا؟
رجالة جلال كلهم حطوا إيديهم على سلاحهم، الجو اأكهرب في ثانية. بس جلال رفع إيده الشمايل هداهم، وفضل باصص في عين منصور.
جلال قرب من وش منصور وقال بفحيح يرعب أنا جيت أقولك إن مازن مات، بس ساب وراه واد. واد عينيه شبه عيني وعين أبوه بالظبط. ومن ساعة ما شوفت عيون الواد ده، وأنا حلف بيمين الله إن الأرض دي هتنضف من ريحتكم عشان لما يكبر ويمشي فيها، م يلاقيش كلب زيك يرفع عينه فيه.
منصور ضحكته اختفت، وحس بقبضة في قلبه لما شاف النظرة اللي في عين جلال. دي مش نظرة راجل بيدور على صلح، دي نظرة راجل جاي يبيد.
منصور رجع خطوة لورا وقال وهو بيشاور لرجاله أنت اتجنيت يا ألفي؟ أنت فاكر نفسك مين؟
جلال لف ضهره ومنصور وبدأ يمشي ناحية عربيته، وفي نص الطريق رفع إيده اليمين ودا إشارة لمراد وسامح.
في ثانية واحدة، المينا اتقلبت لساحة حرب. صوت ضرب النار اشتغل زي الرعد، رجالة جلال الألفي بدأوا يتعاملوا من فوق الحاويات ومن ورا العربيات. رجالة عيلة الديب مالحقوش حتى يسحبوا أجزاء سلاحهم. مراد وسامح كانوا بيتحركوا بحرفية عالية ويخلصوا على أي حد يرفع سلاحه.
جلال ركب الكرسي الوراني في المرسيدس وقفل الباب، وطلع سيجارة وولعها بكل برود، وبص من الإزاز الفامي على منصور الديب وهو بيحاول يجري ويستخبى ورا حاوية، بس رصاص مراد كان أسرع منه، ووقع منصور على أرض المينا غرقان في دمه.
العملية كلها ما أخدتش دقيقتين. ضرب النار وقف، والمينا رجعت لسكونها، بس المرة دي السيطرة بقت كاملة
ومطلقة لعيلة الألفي.
مراد قرب من شباك العربية وبص لجلال وقال كله تمام يا بيه. عيلة الديب مابقاش ليها وجود في إسكندرية من النهاردة.
جلال هز دماغه، ونفخ الدخان وقال اطلع بينا على القصر يا مراد... ابني زمانه صحي ومستنيني.
العربية المرسيدس المصفحة مشيت في شوارع إسكندرية بكل هدوء، وكأن مفيش مجزرة حصلت من دقايق في المينا. جلال كان ساند رأسه على الإزاز، باصص للبحر اللي بدأ لونه يصفى مع غروب الشمس. الإحساس بالتقل اللي كان كاتم على نفسه من سنتين اختفى، وحل مكانه يقين جديد؛ هو مبقاش بيحارب عشان ينتقم لمازن، هو بيثبّت أركان إمبراطورية للوريث الجديد.
أول ما العربية دخلت من بوابات قصر كينج مريوط الواسعة، جلال نزل بخطوات سريعة. قلع البالطو الأسود واداه لسامح، وغسل إيده ووشه عشان ريحة البارود والدخان ما تجيش ناحية الواد.
طلع الجناح الرئيسي فوق، فتح الباب براحة، ولقى الأوضة دافية ومنورة بنور أباجورات هادي. منى كانت قاعدة على كرسي هزاز، والبيبي كان صاحي وقاعد في حجرها بيلعب بلعبة خشب صغيرة. أول ما الباب اتفتح، الواد لف رأسه بسرعة، وعينيه الزرقا الواسعة لمعت لما شاف جلال.
الواد ساب اللعبة وسند بإيديه الصغننة على ركبة أمه، وطلع صوت مناغاة عالي كأنه بيرحب بيه.
جلال ابتسمابتسامة حقيقية طالعة من القلب، مظهرتش على وشه من سنين. قرب وتناول الواد من منى، شاله ورفعه لفوق شوية، والواد فرد إيديه وضِحك ضحكته المقلبظة اللي هزت جلال من جوه.
منى وقفت باحترام وقالت بصوت مليان امتنان حمد الله على السلامة يا جلال بيه. الواد كان عمال يتلفت على الباب من
بدري، كأنه حاسس بيك.
جلال نزل الواد وضمه لصدوره، وطبطب على ضهره براحة وقال ابن الألفي دايماً بيحس بأهله يا منى. بص لها وكمل بنبرة جادة المحامي كلمك؟
منى هزت رأسها آه يا بيه، جالي هنا ومضاني على ورق، وقالي إن الإجراءات كلها خلصت، والواد بقى اسمه رسمياً مازن جلال الألفي في كل شهادات البلد. دموعها لمعت بس كانت دموع أمان أنا مش عارفة أشكرك إزاي، أنت أنقذتنا من الشارع ومن الخوف.
جلال قعد على الكنبة والواد في حضنه، وبدأ يمسك صوابعه الصغننة ويلاعبها متشكرنيش. ده حقه، وحق أبوه. أنتِ هنا صاحبة مكان، وأي حاجة تحتاجيها تطلبيها فوراً.
في اللحظة دي، تليفون جلال رن بصوت مكتوم. أخرجه من جيبه، لقى رقم لواء كبير في القاهرة، من الناس اللي جلال مأمن بيهم ظهره وشغله.
جلال رد وحط التليفون على ودنه، وصوته رجع تاني الراجل الصارم القوي أهلاً يا فندم... تمام، كله تحت السيطرة... منصور الديب ورجالته حاولوا يعملوا قلق في المينا بس الموضوع اتقفل والوضع استقر تماماً... إسكندرية هادية ومفيش أي حاجة تقلق... العفو يا فندم، الشغل ماشي زي الساعة... مع السلامة.
قفل التليفون ورماه جنبه على الكنبة. بص للواد الصغير اللي كان بدأ ينعس تاني وهو ماسك في صباع جلال بقوة، كأنه ماسك في أمانه الوحيد في الدنيا.
جلال وطى باسه من جبهته وهمس له وسط السكوت الدنيا بره بقت أمان يا مازن... عيلتك رجعت تقف على رجلها تاني، ومفيش مخلوق في البلد دي هيقدر يمس شعرة منك طول ما أنا عايش.
العاصفة اللي بدأت بموت أخوه، انتهت النهاردة بوجود ابنه، وجلال الألفي بقى عنده سبب جديد يخلي المدينة
كلها تخاف وتعمل له ألف حساب.

تم نسخ الرابط