انتقام الارمله من مرات الابن حكايات صافي هاني

لمحة نيوز

بالترتيب ده.. فجأة، اتسمع صوت تكة ترس حديد، والحيطة الخشب كلها اتحركت لورا وفتحت باب سري ضلمة.
شيرهان شهقت ورجعت خطوة لورا إيه ده؟! هو البيت ده فيه آثار ولا إيه؟
لأ.. أغلى من الآثار، قلتها وأنا بنور كشاف التليفون وبدخل، وهما رجليهم شايلاهم ورايا من الفضول.
الجو جوة كان ساقع، وفي النص كان فيه تربيزة معدن عليها صناديق كرتون كتير، وفي الوش خزنة حديد طويلة مفتوحة نص فتحة.
شيرهان عنيها لمعت وجريت على الخزنة فلوس؟ دهب؟
فتحت الخزنة بلهفة، ملقيتش غير ملفات كرتون زرقا مرصوصة. سحبت أول ملف وفتحته وهي بتقول إيه القرف ده؟ ورق؟
لكن أول ما عينيها جت على الورقة الأولى.. وشها اتقلب. الألوان هربت من وشها، وإيدها بدأت تترعش لدرجة إن الملف وقع منها على الأرض والورق اتبعثر.
ماجد وطى يجيبه وهو بيقول في إيه يا بنتي خضيتيني؟
بص في الورق.. وشوفته وهو بيبلع ريقه وصوته اتقطع ش.. شيرهان؟ ده.. ده ورق شركة أبوكي؟
الملف مكنش فيه فلوس.. كان فيه تقارير رسمية مختومة، وصور واضحة جداً لأبو شيرهان وهو بيسلم رشوة لموظف كبير في المحافظة عشان يمرر شحنة أغذية فاسدة من الجمارك من كام سنة.. الشحنة اللي عملت قضية رأي عام وقتها وتقفلت ضد مجهول. ومعاها مستندات تانية تثبت إن قريبه السمسار اللي ضحك عليا واشترى بيتي برخص التراب كان بيغسل الفلوس دي لحساب أبوها.
شيرهان بصتلي وهي بتنهج، دموعها نزلت من الخوف، وقالت بصوت مكسور ومبحوح إنتي.. إنتي جبتي الحاجات دي منين؟
قربت منها خطوة، ووطيت جبت الساعة الدهب بتاعة فريد اللي كنت حطاها على التربيزة، وقلت لها بنبرة أهدى من نسمة البحر اللي برة
أبوكي دفع لحامد بركات ملايين عشان الورق ده ميتسلمش للنيابة.. وحامد مات قبل
ما يستلم بقية الفلوس. فريد سابلي المفتاح.. وسابلي القصر.. وسابلي حق بيتي القديم اللي انتوا سرقتوه مني.
ماجد قعد على الركبة من الصدمة وبص في الأرض يا أمي.. أنا مكنتش أعرف والله.. أنا...
قاطعته وأنا ببص لشيرهان في عنيها المفتاح اللي كنتي عايزاه يا شيرهان.. مش هتاخديه. وأهلك لما يجوا من أسوان، يشوفوا لوكاندة على قدهم.. لأن القصر ده.. ملك للعيلة.. بس عيلتي أنا.. مش عيلتكم أنتوا.
شاورت لهم على الباب وقلت بابتسامة صافية
جولتكم خلصت.. برة.
شيرهان مكنتش قادرة تنطق، لسانها كان كأنه اتربط. بصت لجوزها مستنية منه يعمل أي حاجة، بس ماجد كان قاعد على ركبه في الأرض، ووشه في التراب من الكسوف والخوف. أبوها اللي طول عمرها بتتنطط بيه وبفلوسه، طلع مجرد لِص وعايش على الرشاوي وأكل الحرام.
أمي.. أرجوكي، ماجد قالها وصوته مخنوق بالدموع، وهو بيمد إيده يمسك طرف فستاني، أبو شيرهان لو الورق ده طلع.. هيتخرب بيتنا كلنا، وأنا مستقبلي في الشغل هيضيع. أنا ابنك يا أمي.. لحمك ودمك.
بصيت له ونزلت لمستواه، طبطبت على كتفه بالراحة وقلت له إنت نسيت إنك ابني لما وافقت مراتك تِرمي أمك في شقة إيجار ضلمة ورا المقالب عشان تبيعوا بيتي برخص التراب؟ نسيت لحمك ودمك لما كنت بتشوفني بلم حاجتي في كرتون وإنت واقف متكتف؟
ماجد غطى ووشه بإيديه وبدأ يعيط بجد.
شيرهان لفت وشها ليا، وجبروتها كله اتمسح. نزلت هي كمان على ركبها، وبأصابعها اللي كانت بتلمع بالغوايش الألماظ، بدأت تلم الورق اللي اتبعثر على الأرض بسرعة وهي بترتعش وقالت بصوت واطي ومكسور أنا هلم كل حاجة.. وهن.. وهنمشي حالا. مش هنعتب البيت ده تاني.. بس وحياة غلاوة عم فريد عندك بلاش البلاغ.
وقفت في مِلكي، وبصيت لهم
هما الاتنين وهما في الأرض تحت رجليا، وافتكرت كلام فريد إياكي تظهري السكينة اللي في إيدك لما تكون الابتسامة هي اللي هتخليهم يقربوا منك أكتر.
الورق ده هيفضل هنا.. في الأوضة دي، قلتها بنبرة حاسمة خلتهم يتنفضوا، طول ما إنتوا ماشيين جنب الحيط، وطول ما أنا مش سامعة صوتكم، الورق ده هيفضل في الضلمة. بس أول ما هحس بنَفَس شيرهان في حياتي، أو أسمع إنك بتطالبي بحق مش حقك.. الورق ده هيكون على مكتب النائب العام في أقل من ساعة.
شيرهان هزت رأسها بسرعة جنونية حاضر.. حاضر.. مش هتشوفي وشي تاني.
وحاجة كمان..، قلتها وأنا ببص لماجد، بيتي القديم اللي صاحبكم السمسار خده ولعبتوا اللعبة دي فيه.. يرجعلي.. تمنه يتدفعلي كاش بالمليم على داير مليم، وبسعره الجديد بتاع النهاردة. قدامكم أسبوع واحد، وإلا هعتبر إن الأسبوع ده هو مهلة تسليم أبوكي للسجن.
ماجد قام بسرعة وهو بيبلع ريقه حاضر يا أمي.. حاضر، هصرف من تحت الأرض وهرجعلك حقك وزيادة.
شاورت لهم على الباب الطويل بتاع المكتبة يلا.. مشوفش وشكم هنا تاني.
لموا نفسهم في ثواني، وخرجوا يجروا من الأوضة كأنهم برصين مرعوبين. سمعت صوت خطواتهم السريعة وهي بتبعد على الباركيه، وبعدها صوت باب القصر الضخم وهو بيقفل وراهم، ومن وراه صوت عربيتهم وهي بتتحرك بأقصى سرعة وتختفي ورا البوابات الحديد.
المكان رجع هادي تاني.. هادي جداً.
مفضلش غير صوت نسمة الهوا الساقعة اللي جاية من خليج مرسى علم وهي بتخبط في الشبابيك الزرقا.
قربت من المكتب الملكي، وحطيت ساعة الجيب الدهب بتاعة فريد عليه. بصيت لصورته اللي كنت حطاها في برواز صغير على المكتب، وابتسمت.
عملناها يا فريد، قلتها بصوت مسموع وأنا باخد بوق طويل من قهوتي اللي كانت
بردت خالص.
قعدت على الكرسي الجلد المريح، وبصيت للبحر من الشباك الطويل.. لأول مرة من عشر شهور، أحس إني مرتاحة، وإني قادرة أتنفس بجد.
البيت بقى بتاعي.. والأمان بقى بتاعي.. والليل الدهبي برا كان بيعلن بداية حياتي الجديدة، لوحدي، بس قوية زي ما فريد كان عايزني دايماً أكون.
السكوت ملى القصر كله، بس مكنش سكوت موحش، كان سكوت بطعم الانتصار.
قمت وقفت وخرجت للبلكونة الكبيرة اللي بتبص على البحر. الهوا الساقع خبط في وشي، وطير أطراف فستاني الأسود. بصيت لبعيد، للموج وهو بيخبط في الصخر تحت القصر، وافتكرت كل لحظة ذل عشتها في الشقة الإيجار المعفنة ديك.. افتكرت نظرات شيرهان ليا وهي شمتانة وكأنها رمتني في سلة المهملات بتاعة الدنيا.
تليفوني رن فجأة في جيبي.
طلعت التليفون وبصيت على الشاشة. كان رقم أشرف الديب.. المحامي وبقيت معارف فريد القدام.
رديت بهدوء أيوة يا متر.
صوته جالي عبر الخط، فيه بحة السن والوقار مساء الخير يا حاجّة إلهام. طمنيني، الولاد زاروا القصر الجديد؟
ابتسمت وأنا ببص للبحر زاروه يا متر.. وخرجوا منه و ركبهم بتخبط في بعضها.
المحامي ضحك ضحكة قوية وسعل شوية وبعدين قال الله يرحمك يا فريد، كان قاري كتابهم من زمان. قوليلي، ماجد وافق يرجع الفلوس؟
وافق وزيادة.. قدامه أسبوع واحد، ولو مرجعش تمن بيتي القديم بسعره بتاع النهاردة، هو عارف الملف الأزرق هيروح فين.
تمام يا حاجّة، أنا مجهز كل العقود والورق القانوني اللي يثبت حقك، أول ما الفلوس تجهز كلميني عشان نمضي. بس قوليلي.. إنتي ناوية تقعدي في القصر ده لوحدك؟ المكان واسع قوي عليكي.
بصيت حوليا.. للحيطان الرخام، للنجف، للمساحة الكبيرة اللي كانت شيرهان وعيلتها فاكرين إنهم هيورثوها
وأنا عايشة.
لأ مش هقعد لوحدي يا متر، قلتها بثقة،
تم نسخ الرابط