انتقام الارمله من مرات الابن حكايات صافي هاني

لمحة نيوز

القصر ده هيبقى مكان للي يستاهله. أنا هجيب أختي الكبيرة وبناتها يقعدوا معايا، والبيت اللي كانوا فاكرينه هيموتني من الوحدة، هيبقى مليان لِمة وعزوة.. بس ناس بجد، مش تعابين.
ونعم العقل يا حاجّة إلهام. ربنا يديكي الصاحبة والستر. لو عوزتي أي حاجة، رقمي معاكي.
تسلم يا متر، مع السلامة.
قفلت السكة وحطيت التليفون على التربيزة الصغيرة اللي في البلكونة.
بصيت للساعة الدهب اللي في إيدي.. الساعة كانت داخلة على تسعة بالليل. الجو بدأ يليل والضلمة فرشت على البحر، وأنوار القصر الخارجية نورت أوتوماتيك، وعكست على المايه زي لآلئ بتنور في الضلمة.
دخلت جوة وقفلت الباب الإزاز ورايا. مشيت في الممرات الواسعة وأنا حاسة لأول مرة إن الخطوة ليها قيمة، وإن الأرض دي ملكي، ومحدش ليه فضل عليا فيها غير ربنا وفريد.
دخلت المطبخ الواسع، فتحت التلاجة وطلعت علبة لبن، وعملت لنفسي كوباية شاي باللبن دافية. مكنتش محتاجة قهوة خلاص.. دماغي رايقة، وبالي مرتاح، والقصة اللي بدأت بكسرة قلب في شقة إيجار، انتهت وأنا قاعدة على عرشي.
قعدت في الليفنج الكبير، وشغلت التلفزيون على أغاني أم كلثوم القديمة، وصوتها كان بيملا الفراغ وهي بتغني وللأيام كالظلال.. تطول وتَقصر.
ابتسمت وخدت بوق من الشاي، وبصيت للسقف العالي..
أنا إلهام، وعندي 71 سنة.. والرحلة مخلصتش، دي لسه بتبتدي.
مر الأسبوع وكأنه لمح البصر.
في اليوم السابع بالظبط، الساعة اتناشر الظهر، تليفوني رن وكان إشعار من البنك الأهلي.. تم إيداع مبلغ 8 مليون جنيه في حسابي. ده كان التقييم الفعلي لبيتي القديم بسعر النهاردة، وزيادة عليهم قرشين عشان شيرهان تشتري بيهم سكوتي.
بعدها بنص ساعة، لقيت رسالة من ماجد على الواتساب مكتوب فيها الفلوس في حسابك يا أمي، أرجوكي ارحمينا والملف يفضل مقفول.. مقرتش الرسالة حتى، عملت له بلوك هو ومراته. خلاص، صفحتهم اتقفلت من حياتي للأبد، والتعابين مكانها جحورها، مش قصري.
بعد
شهر، القصر مكنش هو نفس القصر الفاضي الساقع اللي دخلته أول مرة.
البيت بقى ينبض بالحياة. أختي الكبيرة هديّة جت عاشت معايا، وبناتها الاتنين، ندى ومريم، ملو المكان حركة وضحك. ندى بدأت ترتب الكتب في المكتبة الكبيرة وتعمل منها مكان للمذاكرة، ومريم بقت تقضي نص يومها في المطبخ الواسع بتجرب أكلات جديدة، وضحتكهم كانت بترن في الممرات اللي شيرهان كانت فاكرة إنها هتمتلكها بالبلطجة.
في يوم جمعة، زي نفس اليوم اللي شيرهان جت فيه وهي بتتنطط، كنا قاعدين كلنا في البلكونة الكبيرة اللي بتبص على بحر مرسى علم.
الشمس كانت بتغيب والجو دافي، ومريم كانت عامله صينية بسبوسة بالمكسرات ريحتها جيبة لآخر الممر، وندى بتصب الشاي بالنعناع.
قوليلي يا إلهام، أختي هديّة قالتها وهي بتعدل شالها وبتبص للبحر بذهول، إنتي بجد مش خايفة من الورق اللي جوة الأوضة السرية ده؟ مش خايفة حد يطمع فيه أو يسببلك قلق؟
خدت بوق من الشاي وبصيت لصور فريد اللي كنت حطاها في السلسلة اللي في رقبتي، وقلت لها وأنا مبتسمة
الخوف ده كان زمان يا هديّة.. لما كنت لوحدي ومستضعفيني. الورق ده مش قلق، الورق ده هو الدرع اللي فريد سابهولي من ورا الزمن عشان محدش يتجرأ يكسرني تاني. طول ما الورق ده جوة الخزنة، أنا في أمان، والكل عامل حساب خطوتي.
ندى ضحكت وقالت والله يا خالتو إنتي طلعتي خطيرة.. عم فريد الله يرحمه كان عارف بيختار مين.
عمك فريد كان بيشتري الأمان يا بنتي، قلتها وأنا ببص للموج وهو بيخبط في الصخر، والأمان غالي.. ومبيجيش بالطيبة الزيادة، بيجي لما اللي قدامك يعرف إنك تقدري تضريه، بس إنتي اللي مختارة تكوني عاقلة.
الليل دخل، والأنوار نورت، وصوت ضحك البنات كان مغطي على صوت الموج.
سيبتهم ودخلت أوضة المكتبة لوحدي. مشيت لحد الرف السري، وضغطت على الكتب الأربعة بالترتيب 7124.. تاريخ ميلاد فريد، والسيريال نمبر بتاع ساعته.
الباب اتفتح، دخلت جوة في الضلمة ونورت الكشاف.
بصيت على الصناديق والملفات الزرقا اللي فيها أسرار حامد بركات.. الأسرار اللي هزت نفوس كانت فاكرة نفسها فوق القانون.
قربت من الخزنة، طلعت قفل حديد جديد كنت شرياه، وقفلته على الملفات دي كويس جداً.
حطيت المفتاح في جيب فستاني، وطلعت برة وقَفلت الحيطة الخشب تاني.
بصيت لسرير فريد القديم ومكتبه، وحسيت بروح فريد حواليا في المكان كأنه واقف مبتسم وبيقولي عفارم عليكي يا إلهام.. صونتي الأمانة.
رجعت للبنات برة، قعدت وسط عيلتي الحقيقية، وخدت حتة البسبوسة وبدأت أضحك معاهم من قلبي.. لأول مرة من سنين طويله، أضحك وأنا مش خايفة من بكرة.
القصر بقى بيتي، والفلوس بقت فلوسي، وحياتي الجديدة بدأت فعلاً.. والست اللي كانوا فاكرينها عجوزة ومكسورة، بقت هي اللي بتدير اللعبة كلها وهي بتشرب شاي بالنعناع.
الشهور جرت ورا بعضها، والقصر مبقاش مجرد حيطان رخام وفيو على البحر، ده بقى حتة من الجنة.
بنات أختي، ندى ومريم، ملو البيت حيوية. مريم فتحت مشروع صغير من المطبخ الواسع بتاع القصر لعمل الحلويات وبيعها أونلاين، وبقى عندها زباين من أرقى الأماكن في المحافظة، وندى اتخرجت من هندسة بامتياز، وعملتلها مكتب صغير في القصر تبدأ فيه شغلها في الديكور.
وأنا؟ أنا رجعت لصحتي وروحي بتاعة زمان. بقيت أصحى الصبح على مهلي، أشرب قهوتي في البلكونة وأنا ببص على الشجر اللي بيتحرك مع ريح البحر، ومبقاش فيه أي حاجة تعكر صفو حياتي.
في يوم من الأيام، وأنا نازلة أشتري شوية حاجات مع ندى من السوبر ماركت الكبير اللي في وسط المدينة، لمحت من بعيد واحدة واقفة قدام ثلاجة العرض..
كانت لابة عباية عادية، شعرها مبهدل ومقصوص قصة غريبة، ووشها دبلان وكأنها كبرت عشرين سنة فجأة. كانت واقفة بتمسك كيس مكرونة وبتبص في سعرها بتردد، وكأنها بتحسب هتكفي معاها لآخر الشهر ولا لأ.
ندى دزتني بالراحة من كمي وقالتلي بصوت واطي خالتو.. مش دي شيرهان؟
بصيت ودققت النظر.. فعلاً، كانت شيرهان.

جبروتها اتمسح، والغوايش الألماظ اللي كانت بتتشطر بيها وتخبط في بعضها مكنتش في إيدها، شكلها باعتاها عشان تسدد الفلوس اللي جوزها رجعهالي. مكنش فيها أي أثر للست اللي كانت بتكلمني الساعة سبعة الصبح وتقولي بلاش أنانية.
شيرهان لفت وشها فجأة وعينها جت في عيني..
أول ما شافتني، وشها اتقلب ألوان. خافت، ورجعت خطوة لورا كأنها شافت شبح، وكيس المكرونة كان هيقع من إيدها. بصت لطقم الذهب الشيك اللي أنا لابساه، ولعبايتي الحرير، ولندى وهي واقفة جنبي وبتبص لها ببرود.
أنا مكلفتش نفسي حتى إني أبص لها بنظرة تشفي أو شماتة. فريد علمني إن الكبار مبيقفوش عند الصغائر.
ابتسمت لها ابتسامة خفيفة جداً.. ابتسامة النصر الهادي، ولفت وشي عنها وكملت طريقي وأنا بختار حاجتي وبتكلم مع ندى وبنضحك. شوفتها بطرف عيني وهي بتجر أذيال الخيبة، وسابت السبت بتاعها وخرجت من السوبر ماركت كله وهي بتجري عشان متمشيش ورايا في الممر.
لما رجعنا القصر بالليل، الشمس كانت بتغيب وبتسيب وراها خيوط حمراء ودهبية على صفحة المايه.
دخلت أوضة المكتبة لوحدي، وقفت قدام الرف السري. مكنتش محتاجة أفتح الأوضة ولا أبص على الملفات. الأمان الحقيقي بقيت حاسة بيه في قلبي، مش في الورق اللي جوة الخزنة.
طلعت ساعة
الجيب الدهب بتاعة فريد من علبتها القطيفة، ومسحت عليها بالراحة وقبلتها.
حقنا رجع تالت ومتلت يا فريد.. والناس اللي ظلمت، الدنيا دارت بيهم ودوقوا نفس الكأس اللي دوقوهولي، بس من غير ما أوسخ إيدي بيهم.
حطيت الساعة في جيب فستاني، وخرجت للبلكونة الكبيرة. ندى ومريم كانوا مشغلين أباجورتين ناصعين، وصوت ضحكهم واصل لحد عندي وهما بيجهزوا العشا.
قعدت على كرسي الهزاز، وبصيت للسما اللي بدأت تظهر فيها النجوم..
الدنيا دي غريبة قوي، يوم تديك ويوم تاخد منك، بس الشاطر هو اللي يعرف يقف على رجله لما تقع بيه. وأنا، إلهام، عشت وشوفت، ونهيت حكايتي وأنا واقفة في مكاني، قوية، وسط ناسي،
وتحت حماية ذكريات راجل عاش ومات وهو صاينني.

تم نسخ الرابط