الراجل الي بيعض حكايات صافي هاني
بنتي اللي عندها 4 سنين شاورت على مراته رئيس جوزي وقالت هي دي الست اللي بتعَض.
رئيس جوزي، رفعت، كان عايش في قصر من نوعية البيوت اللي الناس بتهدي سرعتها في الشارع عشان تتفرج عليها.
أعمدة بيضا ضخمة. شغالين واقفين بيخدموا عند المدخل. وجنينة ورا منورة بإضاءة متعلقة شكلها كده مكلفة أكتر من عربيتنا.
الحفلة كانت بمناسبة عيد ميلاده الخمسين، وجوزي كان مضغوط ومتوتر بسببها بقاله أيام.
أبوس إيدك خلي مريم جنبك علطول، فضل يقولها قبل ما ننزل من البيت. أنا عايز الليلة دي تعدي على خير.
بنتنا، مريم، كان عندها أربع سنين. شقية، فضولية، ومبتعرفش توشوش حتى لما بتحاول.
في الأول، كل حاجة كانت ماشية طبيعي.
الرجالة اللي لابسين بدَل غالية واقفين بيشربوا. والستات اللي لابسين فساتين ماركات بيبوسوا بعض في الهوا في الحتة اللي قريبة من حمام السباحة. وجوزي كان بيضحك زيادة عن اللزوم على نكت رئيسه.
قضيت معظم الليلة وأنا متأكدة إن مريم مدلقتش العصير على أي حاجة تمنها يعدي إيجار بيتنا.
وفي لحظة، لقيتها واقفة جنب ترابيزة الحلويات وصوابعها كلها ملغوصة.
اتنهدت، وسحبت منديل، وبدأت أنضف إيديها.
في الوقت ده بالذات، رئيس جوزي مر من جنبنا وهو معاه مراته.
شيرين.
طويلة، شيك، وجميلة بملامح باردة، من نوعية الستات اللي تخليكي فجأة تاخدي بالك من كل حاجة رخيصة إنتي لابساها.
مريم بصتلها علطول.
وبعدين ابتسمت وشاورت عليها.
وقالت بصوت عالي ماما، هي دي الست اللي بتعَض.
أنا ضحكت تلقائيًا لأن الجملة مكنش ليها أي معنى.
بس بعد كده حصلت حاجة غريبة.
رفعت وقف فجأة ومبقاش بيتحرك.
لف براحة وبص لمريم بالظبط.
وسألها قصَدِك إيه ده يا حبيبتي؟
ضحكت بتوتر وقلت دي عندها أربع سنين، بتألف كلام.
بس رفعت فضل مبرق لها.
كرر كلامه الست اللي بتعَض؟ مريم، قوليلي بتسميها كده ليه؟
كنت عايزة أقفل السيرة والموضوع فورًا.
بس مريم ابتسمت بفخر وفتحت بقها.
والكلمتين اللي قالتهم بعد كده شقلبوا الحفلة كلها رأسًا على عقب.
وقالت ببراءة وهي بتهز راسها عشان هي عَضّت عمو في عربية بابا، وكان بيصرخ جامد!
الحفلة اللي كانت مليانة دوشة وضحك، فجأة كأن حد داس فيها على زرار الكتم. المزيكا اللي كانت شغالة في الخلفية بقت واضحة وزاعجة جداً، والناس اللي كانوا واقفين قريبين مننا سكتوا وبدأوا يبصوا لبعض.
أنا حسيت إن دمّي كله اتصفى في ثانية. بصيت لجوزي، ولقيت وشه قلب أزرق، عينه كانت مبرقة وهو بيبص لمريم وكأنه شايف كابوس بيتحقق قدامه. كان واقف مكانه ومش قادر ياخد نفسه.
رفعت لف راسه ببطء شديد ناحية جوزي. نظرته اتغيرت تماماً؛ مابقتش نظرة فضول، بقت نظرة مرعبة، مليانة غضب وشك. سأله بصوت واطي ومخيف
عربية بابا؟ وهي شيرين كانت بتركب عربيتك من ورايا يا طارق؟
طارق بدأ
في اللحظة دي، شيرين اللي كانت واقفة بملامح باردة، وشها اتقلب تماماً وبان عليه التوتر، حاولت تضحك ضحكة صفرا وقالت رفعت، إنت هتصدق كلام طفلة؟ دي أكيد شافت حد تاني وشبهته عليا.. إنت عارف الأطفال وخيالهم.
لكن رفعت مكنش مقتنع. بص لخاتم الألماس اللي في إيد مراته، وبعدين بص لطارق وقال بنبرة حاسمة قطعت أي مجال للشك
مريم مابتكذبش.. مريم شافت حاجة. وطارق بقاله أسبوعين بيطلب سُلفة من الشركة، وبيقول إن عنده ظروف طارئة.
قرب رفعت من طارق خطوة واحدة، وهمس له وهو بيبص في عينه الحفلة خلصت بالنسبة لك. بكره الساعة 9 الصبح تكون في مكتبي.. وإنت عارف كويس إيه اللي هيحصل لو مجيتش.
لف رفعت وضهر لمراته وشاور لها تمشي وراه، ودخلوا القصر والجو اتقلب ل همس وهمهمات بين كل المعازيم اللي بدأوا ينسحبوا واحد ورا التاني.
أنا مسكت إيد مريم جامد، وأنا مش مستوعبة حجم الكارثة اللي إحنا داخلين عليها، وبصيت لطارق وقلت له بصوت مخنوق إيه اللي البنت بتقوله ده يا طارق؟ إنت مخبي عليا إيه؟
طارق ماردش عليا. كان واقف زي التمثال، عرقان، وعينه بتتحرك في كل حاتة حواليه كأنه بيدور على مخرج مش موجود.
سحبني من إيدي بقوة ومشينا بسرعة ناحية البوابة، ومريم كانت بتجري ورانا وهي مش فاهمة هي عملت إيه، وبتتفرج على الأنوار المتعلقة اللي كانت بتتهز مع الهوا الخفيف بتاع بالليل. ركبنا العربية، وقفل طارق الباب بقوة خلتني أتنفض في مكاني.
طول الطريق مكنش فيه صوت غير نفس طارق العالي وصوت كلكسات العربيات في الشارع. سألته تاني ونبرة صوتي بتترعش
طارق.. اتكلم.. البنت دي شافت إيه؟ وشيرين ركبت معاك العربية إمتى؟
زعق فجأة وهو بيخبط على الدريكسيون
اسكتي خالص يا سمر! مش عايز اسمع صوت! أنا في مصيبة.. حياتي كلها بتتهد!
لما وصلنا البيت، دخلت مريم أوضتها وفهمتها تنام. رجعت الصالة لقيت طارق قاعد وحاطط راسه بين إيديه. قعدت قدامه وقلت له بهدوء مرعب
أنا مش هتحرك من هنا غير لما تفهمني.. إنت بتخونني معاها؟
رفع راسه، وبصلي وعينه حمرا، وقال بنبرة مكسورة
خيانة إيه وزفت إيه! أنا عمري ما بصيت لست غيرك.. الموضوع أكبر من كده بكتير يا سمر.
أخد نفس طويل وكمل وهو بيترعش
من أسبوعين، شيرين كلمتني. قالت لي إنها في مشكلة ومحتاجاني أعدي عليها بالعربية في مكان بعيد عن بيت رفعت بيه. لما رحت، لقيتها منهارة.. وكان باين عليها إنها مضروبة! رفعت بيه مش زي ما الناس فاكرة.. الراجل ده شخص سيكوباتي ومجنون، وبيحب يظهر قدام المجتمع إنه مثالي.
سكت شوية وبلع ريقه بصعوبة
شيرين كانت عايزة تهرب، وكانت مخبية مع ناس
سألته والدموع في عيني
وطالما إنت بتساعدها.. السُلفة اللي طلبتا من الشركة دي إيه؟ ورفعت عرف منين؟
طارق بص للأرض وقال بصوت واطي
رفعت عرف لأن شيرين اختفت من يومين.. والورق اللي كان معاها، هي سابته معايا أنا في تابلت قديم ومخبيه هنا في البيت! السلفة اللي طلبتها كانت عشان أقدر أحجز تذكرة سفر وأهرب بالورق ده برا البلد قبل ما رفعت يكتشف مكاني.. بس مريم سبقتنا، وفتحت عيون رفعت عليا قبل ما أتحرك خطوة واحدة.
في اللحظة دي، سمعنا صوت حركة غريبة بره الشقة في الممر.. وصوت عربية بتقف تحت البيت فرملتها عالية جداً.
طارق اتجمد في مكانه، وعينه راحت ناحية الباب. الصوت اللي بره مكنش مجرد حركة عادية، ده كان صوت خطوات منتظمة وسريعة لأكتر من شخص، وصوت همس مكتوم بيقرب من عتبة شقتنا.
طارق... همست والعبارة وقفت في زوري من الرعب، دول رجالة رفعت؟
ماردش عليا. قام من مكانه زي المجنون، دخل الأوضة وجاب التابلت القديم وحطه في الشنطة بتاعته، وجرى على أوضة مريم. شالها وهي نايمة، البنت فتحت عينها بنعاس وقالت ماما.. إحنا رايحين فين؟
اسكتي يا مريم.. اسكتي خالص يا حبيبتي، طارق قالها وهو بيبوس راسها ودموعه نازلة. بصلي وقال بصوت واطي ومخلوق سمر، مفيش وقت. لو دخلوا هنا مش هيرحمونا. رفعت لو عرف إن الورق معايا هيصفيني أنا وإنتي، ومريم مش هترجع تشوفنا تاني. لازم ننزل من سلم الخدم اللي ورا المطبخ حالا.
في نفس اللحظة، جرس الباب رن.
دقة واحدة.. قوية.. وحاسمة.
بعدها بثواني، الصوت اتحول لخبط عنيف ورزع كأن الباب هيتكسر. مريم بدأت تعيط من الخوف، كتمت صوتها في حضني وأنا بسحبها من إيد طارق. جرينا ناحية المطبخ، طارق فتح الباب الحديد الصغير اللي بيطل على السلم الخلفي الضلمة.
الجو بره كان هوا ساقع يرعش. بدأنا ننزل السلم بسرعة والخطوات كانت بتعمل صدى مرعب. من فوقينا، سمعنا صوت خبطة مهولة.. الباب الخشب بتاع شقتنا اتكسر خلاص. وصوت زعاق رجالة جوه البيت بيقلبوا في الحتة.
هم هنا! نزلوا من ورا! صوت راجل من رجالة رفعت زعق من فوق.
طارق شد إيدي وجرينا بأقصى سرعة. وصلنا للدور الأرضي، الشارع الخلفي كان ضلمة ومفهوش حد، بس على أول الشارع الرئيسي كان فيه عربية جيب سوداء واقفة ومبطلة نورها. طارق مروحش ناحية عربيتنا؛ كان عارف إنهم مراقبينها. طلع موبايله وبسرعة طلب عربية من تليفونه، وبقينا واقفين مستخبيين ورا سور جنينة قديمة
مريم كانت بتترعش ، وأنا ببص لطارق وبقوله هنروح فين؟ إحنا ملناش مكان نستخبى فيه من الراجل ده!
طارق بص للتابلت اللي في إيده وقال وعينه فيها نظرة تحدي لأول مرة إحنا مش هنستخبى يا سمر. الورق اللي هنا فيه حسابات بنكية بره مصر، وعقود لشركات وهمية، الراجل ده لو الورق ده طلع للنيابة العامة مش هيشوف الشمس تاني. أنا هكلم المحامي اللي شيرين قالت لي عليه، هو الوحيد اللي هيقدر يحمينا ويوصلنا لبر الأمان.
في اللحظة دي، كشافات العربية الجيب السودا نورت فجأة.. ولفّت ودخلت الشارع الضلمة اللي إحنا واقفين فيه، وبدأت تتحرك ناحيتنا ببطء.
طارق شدني ورا ضهره وبقينا لازقين في الحيطة القديمة المهدودة، بنحاول نختفي تماماً في الظل. كشافات العربية كانت بتقرب، والنور كان قوي بيقيس الشارع حتة حتة. مريم كتمت نفسها في رقبتي، وأنا كنت سامعة دقات قلبي واضحة لدرجة خلتني خايفة هما كمان يسمعوها.
العربية الجيب وقفت بالظبط قدام الممر اللي نزلنا منه. الباب اتفتح، ونزل منه راجل ضخم لابس قميص أسود، في إيده جهاز لاسلكي. بص حواليه بدقة، ورفع اللاسلكي وقال بصوت جهوري يا فندم، نزلوا من السلم الخلفي، عربيتهم لسه تحت البيت.. أكيد مابعدوش، بنمسح المنطقة حالا.
في ثانية، طارق لمح عربية تانية داخلة الشارع من بعيد، عربية عادية لونها أبيض.. دي كانت العربية اللي طلبها من التطبيق! السواق كان ماشي ببطء وبيص في تليفونه بيدور على العنوان.
سمر، اسمعيني كويس، طارق همس في ودني بسرعة ونفسه مقطوع. العربية دي تبعنا. هنجري عليها حالا. ركزي في مريم ومتبصيش وراكي مهما حصل.
قبل ما استوعب، طارق مسك إيدي وجرينا. الراجل الضخم لمح حركتنا وزعق في اللاسلكي اطلعوا بسرعة! هما هنا!
بدأ يجرى وراينا، وصوت خطواته الثقيلة على الأسفلت كانت بتقرب. طارق فتح باب العربية الأبيض اللي كانت لسه بتهدي، وزقنا أنا ومريم جوه وزعق للسواق بعلو صوته اطلع بسرعة! اطلع حالا هيموتونا!
السواق اتخض، وبص في المراية لقى الراجل الضخم بيقرب وبيتمد إيده ورا ضهره كأنه بيطلع حاجة. السواق داس بنزين بكل قوته، الكاوتش عمل صوت صريخ عالي في الشارع، والعربية طلعت بسرعة جنونية لدرجة إن الباب اتقفل لوحده من قوة الاندفاع.
بصيت من الإزاز ورايا، لقيت الراجل الضخم واقف بيبص على نمرة العربية، وبيتكلم في اللاسلكي.
السواق كان بيترعش وهو سايق في إيه يا فندم؟ مين دول؟ أنا هودينا على أقرب قسم شرطة!
لأ! أرجوك لأ! طارق زعق وهو بيحاول يهدّي نفسه. لو رحت القسم إحنا هنضيع.. ودّينا على العنوان اللي هكتبهولك حالا.
طارق كتب عنوان على تليفون السواق، وبصلي وقال ونبرته فيها رعب حقيقي المحامي مكتبه في وسط البلد، فوق مطبعة قديمة. شيرين قالت لي إنه مأمن المكان ده كويس ومحدش يعرفه.
وصلنا بعد نص ساعة كانت أطول نص ساعة في حياتي. النور كان لسه طالع، والشوارع كانت فاضية