الراجل الي بيعض حكايات صافي هاني
المحتويات
وهادية بشكل غريب مقارنة بالكابوس اللي إحنا فيه. نزلنا وجرينا جوه عمارة قديمة، وطلعنا للدور الثالث.
طارق خبط على باب خشب تقيل بطريقة معينة. الباب اتفتح براحة، وظهر من وراه راجل في الخمسينات، شعره أبيض ونظرته حادة جداً. بص لطارق، وبعدين بص للتابلت اللي في إيده، وفهم كل حاجة من غير ما نتكلم.
ادخلوا بسرعة، المحامي قال بصوت واطي وحازم.
جوه المكتب، طارق حط التابلت على الترابيزة وقال وهو بينهج استاذ حازم.. رفعت عرف كل حاجة. ورجالته كسروا شقتي. إحنا ملناش غيرك.. الورق ده لازم يتقدم للنائب العام حالا.
المحامي قعد، وفتح التابلت وبدأ يقلب في الملفات بسرعة. عينه كانت بتتحرك بسرعة والذهول بدأ يبان على وشه. وفجأة، رفع راسه وبص لطارق ونظرة وشه اتغيرت تماماً.. بقت نظرة باردة ومرعبة.
المحامي قفل التابلت بالراحة، وسند ضهره لورا وقال بنبرة هادية تخوف الورق ده فعلاً يودي المشنقة يا طارق.. بس إنت غبي.
طارق استغرب وقال غبي؟ غبي ليه؟ أنا جايبهولك عشان نتصرف!
المحامي ابتسم ضحكة صفرا، وطلع تليفونه وحطه على الترابيزة، وقال لأنك جيت للمحامي بتاع رفعت بيه شخصياً.. وشيرين لما قالت لك عليا، كانت فاكرة إنها بتلعب ذكي، بس رفعت دايماً سابق الكل بخطوة.
في اللحظة دي، سمعنا صوت قفل الباب الرئيسي للمكتب وهو بيتقفل بالمفتاح من بره، وصوت خطوات تقيلة بتدخل الصالة.
الدنيا لفت بيا، وحسيت إن الحيطان بتضيق علينا. طارق رجع خطوة لورا وصدمته كانت أكبر من إنه ينطق، بص للمحامي وعينه بتتحرك في كل مكان وكأنه بيحاول يستوعب الكابوس اللي بقينّا فيه. مريم بدأت تعيط تاني وصوتها المكتوم كان بيقطع في قلبي.
المحامي حازم فضل قاعد مكانه بكل برود، ورفع سماعة التليفون الأرضي وضغط على زرار واحد وقال يا فندم.. الأمانة وصلت لحد عندي بالظبط زي ما توقعت.. طارق ومراته وبنته هنا في المكتب، والتابلت معايا.
في نفس اللحظة، الباب الداخلي للمكتب اتفتح، ودخل منه اتنين رجالة من بتوع الحفلة، ضخام ولابسين بدل، ووراهم ظهر رفعت بيه.
خطواته كانت بطيئة، هادية، ومستفزة. ملامحه مكنش فيها الغضب الأعمى اللي شفناه في الحفلة، بالعكس، كان بيبتسم ابتسامة النصر. بص لطارق وقال بنبرة هادية تخوف أنا زعلان منك يا طارق.. شيرين غبية وأنا عارفها، لكن إنت؟ طول عمرك مجتهد في الشغل، مكنتش أعرف إن طموحك يوديك لحتة بعيدة كده.. وخطيرة كده.
طارق قدم خطوة وحطني أنا ومريم وراه، وصوته رجع قوي تاني مدفوع بالخوف علينا رفعت بيه.. مراتي وبنتي ملهمش ذنب في أي حاجة.. سيبهم يمشوا، وأنا هعملك كل اللي أنت عايزه.
رفعت ضحك بصوت عالي، ضحكة خلت شعر جسمي يقف، وقرب من ترابيزة المحامي وأخد التابلت في إيده وقال يمشوا؟ يمشوا يروحوا فين يا طارق؟ إنت ناسي إن بنتك
بصيت لرفعت وأنا بضم مريم لصدري بكل قوتي، وقلت له والدموع نازلة من عيني إحنا مش عايزين نعرف حاجة، ولا هنقول حاجة.. خد الورق وخد التابلت وسيبنا في حالنا!
رفعت بصلي بنظرة باردة وقال السر اللي بيطلع برا تلاتة، مبيبقاش سر يا مدام سمر.. وشيرين خلاص، مبقتش قادرة تتكلم تاني.
الكلمة نزلت علينا زي الصاعقة. مبقتش قادرة تتكلم تاني يعني شيرين اتقلت!
طارق وشه جاب ألوان، وفجأة، وبدون أي مقدمات، رمى نفسه على الراجل اللي واقف جنب الباب وضربه بالبوكس في وشه بكل غله. الراجل اتطوح لورا، وطارق زعق فيا بأعلى صوته اجري يا سمرررر! خدي مريم واجري!
المكتب اتقلب في ثانية لمعركة. طارق كان بيحارب زي الأسد عشان يديلنا فرصة ثانية واحدة نتحرك فيها. الراجل التاني مسك طارق وضربه على ضهره، وأنا سحبت مريم وجريت ناحية الباب الخشبي اللي اتقفل. فتحت الترباس بسرعة جنونية، وخرجت للممر الضلمة والصرخات ورايا مالية المكان.
نزلت السلم وأنا مش شايفة قدامي، مريم كانت بتصرخ وهي بتجري معايا. وصلنا للشارع، النور كان بدأ يطلع والناس في المحلات لسه بتفتح. وقفت في نص الشارع وأنا بنهج وروحي بتطلع، ببص ورايا على بوابة العمارة، وببص لتليفوني اللي في إيدي..
الحل الوحيد عشان أنقذ طارق وأنقذ بنتي، كان لازم أعمل حاجة محدش يتوقعها. مسكت التليفون وطلبت النجدة، وقبل ما الخط يجمع، لقيت عربية جيب سودا تانية بتقف قدامي بالظبط، والزجاج بتاعها بينزل بالراحة..
الزجاج نزل بالراحة، وقلبي سقط في رجلي وأنا مستنية أشوف وش واحد من رجالة رفعت.
لكن الصدمة كانت إن اللي سايق العربية كانت ست! لير باهت، شعرها منكوش، وفي عينها نظرة رعب حقيقية.. كانت شيرين!
اركبي بسرعة يا سمر! اخلصي! شيرين زعقت بصوت مخنوق وهي بتفتح الباب من جوه.
مفكرتش ثانية واحدة. زقيت مريم قدامي ونطيت في الكرسي اللي جنبها وقبل ما أقفل الباب، شيرين داست بنزين بكل قوتها والعربية طارت بينا. بصيت لها بذهول وقلت لها وأنا بنهج شيرين؟! رفعت قال إنك.. إنك متّي!
شيرين ضحكت بمرارة وعينها على الطريق رفعت كان عايز يفقد طارق الأمل ويهدّه. أنا هربت من رجاله من ساعتين بالظبط لما عرفت إنهم رايحين لطارق في البيت. طارق فين؟
طارق فوق في مكتب المحامي حازم! صرخت وأنا ببكي. حازم طلع تبع رفعت، وطارق بيموت فوق عشان يهربنا!
شيرين ضربت الدريكسيون بغل حازم؟ يا غبائي! أنا اللي وديتكم للمشنقة بإيدي! لفت العربية في يوتيرن سريع صرخت معاه الكاوتشات، ورجعت تاني بأقصى سرعة ناحية العمارة.
في الوقت ده، تليفوني اللي كان في إيدي جمع مع النجدة. رديت زي المجنونة ألحقونا! في ناس
لما وصلنا تحت العمارة، شيرين وقفت العربية بالعرض. نزلت وراها وأنا ماسكة مريم ومش قادرة أسيبها. وفجأة، شفّنا طارق خارج من بوابة العمارة، هدومه مقطوعة ووشه كله دم، وبيجري بتعب وهو ساند على الحيطة، ووراه اتنين من رجالة رفعت بيجروا وراه.
طارق! صرخت بكل صوتي.
طارق رفع راسه وشافنا، عينيه لمعت بالظبط لما شاف شيرين عايشة. جمع كل قوته وجري ناحيتنا، شيرين فتحت شنطة العربية وطلعت منها كوريك حديد تقيل ورمته لطارق. طارق لف وبكل غله ضرب أول راجل قرب منه بالحديد في رجله وقعه الأرض.
في نفس اللحظة، صوت سرينات بوليس النجدة هز الشارع كله. العربيات البوكس ظهرت من أول الشارع وقفلت المداخل.
رجالة رفعت اتجمدوا مكانهم لما لقوا نفسهم محاصرين بالكامل. طارق رمى حتة الحديد من إيده ووقع على الأرض من التعب والنزيف. جريت عليه وأنا بعيط، وهي بتقول بابا.. بابا متزعلش.
العساكر والظباط حاصروا المكان كله، وقبضوا على الرجالة اللي كانوا بيطاردوا طارق. وفوق في المكتب، النجدة كبست على رفعت والمحامي حازم وهم بيحاولوا يحرقوا التابلت، وتم التحفظ عليه وعلى كل الملفات اللي جواه قبل ما تتمسح.
بعد تلات أيام..
كنا قاعدين في بيتنا اللي البوليس أمّنه لينا. طارق كان مجبس دراعه وعلى وشه لزق جروح، بس لأول مرة من شهور كان مبتسم ومرتاح. التلفزيون كان شغال ورا المذيع اللي بيقرأ خبر عاجل القبض على رجل الأعمال الشهير رفعت ... بتهمة غسيل الأموال وإدارة شبكات مشبوهة، والتحفظ على جميع أمواله.
شيرين كانت قاعدة معانا، بعد ما قدمت كل الأدلة واشتركت في الشهادة مع طارق لحماية نفسها وتأمين حياتها.
طارق بص لمريم اللي كانت قاعدة على السجادة بتلعب بالعروسة بتاعتها بكل براءة وكأن مفيش أي حاجة حصلت. قرب منها وباس راسها وقال لي وهو بيضحك وتعبان أنا من هنا ورايح، أي كلمة مريم هتقولها هصدقها علطول.. البنت دي طلعت بتشوف المستقبل.
ضحكت ودموعي نازلة من الفرحة، ، وأنا بحمد ربنا إن الليلة المرعبة دي عدت على خير، وإن الست اللي بتعَض كانت السبب في إننا نكشف الحقيقة وننقذ حياتنا.
مرت الأسابيع، والحياة بدأت ترجع لمجراها الطبيعي بالتدريج، بس بنكهة جديدة مفيش فيها الخوف والتوتر اللي عشناه لسنين بسبب ضغط الشغل والفلوس.
بفضل الورق اللي كان على التابلت، النيابة مقفلتش القضية عند رفعت وحازم بس، دي فتحت ملفات شركات تانية كتير كانت بتتعامل معاهم، وطارق اتمسك بيه كشاهد ملك هو وشيرين، وتم تبرئته تماماً من أي اتهام لأنه ثبت إنه كان بيتحرك تحت التهديد وحماية لعيلته. مش بس كده، الشركة الكبيرة اللي كان رفعت بيديرها اتعين لها مجلس إدارة جديد نزيه، ونظراً لأمانة
في يوم جمعة، كنا قاعدين في الصالة الجديدة، الشمس داخلة من البلكونة الكبيرة، وطارق قاعد بيشرب القهوة بتاعته وهو بيتصفح الموبايل براحة ومفيش وشه علامات القلق بتاعة زمان. شيرين كلمتنا فيديو من المطار، كانت مسافرة تبدأ حياة جديدة بره مصر بعد ما صفت كل مشاكلها وقالت لنا أنا عمري ما هنسى إن طفلة عندها 4 سنين هي اللي رتبت لي القدر عشان أنجو من الجحيم ده.
بصيت لمريم اللي كانت بتتنطط حوالين طارق وتلعب في شعره، وفجأة وقفت وبصت لطارق ومرت فترة صمت قصيرة خلتني أنا وطارق نبص لبعض بتوجس تلقائي.. لسه عقدة الخوف من كلامها منتهتش تماماً!
مريم شاورت على تليفون باباها اللي كان منور وصاحبه باعت له رسالة تهنئة بالترقية، وقالت ببراءة بابا.. عمو اللي باعتلك صورة ده.. هو ده الراجل اللي عنده تماثيل دهب تحت السرير؟
طارق شرق بالقهوة، وبص للموبايل ولقى اللي باعت الرسالة هو رئيس مجلس الإدارة الجديد للشركة!
بصلي طارق ووشه اتقلب، وأنا ضحكت من قلبي ورميت عليه المخدة وقلت له أهي بدأت اهي! جهز نفسك بقى للمغامرة الجديدة، شكلنا مش هنقعد في الشقة دي كتير!
طارق شد مريم وفضل يضحك ويهز راسه ويقول أنا تبت خلاص.. من بكرة هقدم استقالتي وأفتح كشك سجاير، عشان مريم متودناش في داهية تانية!
وتوتة توتة، خلصت الحدوتة، بس حكايات مريم وبراءتها اللي بتجيب الحقيقة.. عمرها ما بتخلص.
بعد ما ضحكنا، طارق سكت فجأة وبص لمريم بجدية ممزوجة بابتسامة وقرّب التليفون منها وقال لها مريم حبيبتي.. إنتي شفتي عمو ده فين قبل كده؟ وشفتي التماثيل دي إمتى؟
مريم بدأت تلعب بصباعها الصغير وبصت للأرض وقالت لما رحت معاك الشغل يا بابا الأسبوع اللي فات، دخلت أوضته الكبيرة عشان كنت بتدور على ورق، وهو كان فاتح اللاب توب وبيرزع على الترابيزة وبيقول لعمو تاني في التليفون التماثيل الدهب تحت السرير في المزرعة ومحدش هيعرف مكانها.. وأنا كنت واقفة ورا الباب!
طارق بصلي والنظرة اللي في عينه كانت مزيج من الصدمة والذهول. الراجل ده لسه مستلم الشغل من أسبوعين بس، والكل بيتكلم عن نزاهته ونظافته. طارق أخد نفس طويل، وقفل التليفون وحطه على الترابيزة البعيدة، وقام وقف وهو بيمدد ضهره وقال سمر.. أنا نازل أشتري طلبات للبيت.. ومريم مش هتخرج من الأوضة دي لحد ما تتم 18 سنة!
طبعاً كان بيهزر، بس الجو كان فيه إحساس غريب؛ إحساس إننا بقينا عايشين مع جهاز كشف كذب متحرك على رجلين صغيرة.
عدى اليومين اللي بعدهم وطارق في الشغل كان بيتعامل بحذر شديد. مكنش عايز يدخل في مشاكل تانية، وكان كل همه يحافظ على استقرار بيته بعد الكابوس
متابعة القراءة