الراجل الي بيعض حكايات صافي هاني
المحتويات
الأسبوع، طارق جاله استدعاء من مكتب الرقابة الإدارية اللي كانت لسه بتقفل ملفات رفعت بيه.
لما راح هناك، الظابط المسؤول قعد معاه وقال له أستاذ طارق، إحنا شاكرين جداً لتعاونك، بس في حتة صغيرة في حسابات الشركة القديمة مش مظبوطة.. في مبالغ كبيرة اتسحبت لشراء أرض مزرعة باسم رئيس مجلس الإدارة الجديد من حوالي سنة، وإحنا شاكين إنها كانت جزء من عمليات رفعت، بس معندناش دليل قوي يربطهم ببعض.
طارق حس إن الكلام بيترتب قدامه زي المكعبات. افتكر جملة مريم التماثيل الدهب تحت السرير في المزرعة.
بلع ريقه وبص للظابط وقال له بنبرة هادية يا فندم.. أنا معنديش ورق يثبت، بس عندي معلومة مؤكدة بنسبة مية في المية.. فتشوا مزرعة رئيس مجلس الإدارة الجديد، وتحديداً تحت السرير في البيت اللي هناك.
الظابط استغرب جداً من دقة المعلومة وثقة طارق، بس لأن طارق كان سبب أساسي في كشف القضية الأولى، أخدوا الكلام بجدية.
بعدها ب 24 ساعة بس..
طارق رجع البيت بدري، وشكله كان مجهد بس على وشه ابتسامة انتصار مكسورة بالذهول. دخل الصالة، رمى مفاتيحه، وقعد جنب مريم اللي كانت بتتفرج على الكارتون.
عملت إيه يا طارق؟ سألته وأنا بقدم له كوباية الشاي.
بصلي وقال وهو بيهز راسه قبضوا عليه يا سمر. لقوا في المزرعة سرداب سري تحت السرير فيه تماثيل وآثار مهربة تمنها ملايين.. الراجل طلع شريك رفعت القديم والمستخبي، والرقابة كرمتني النهاردة في الشغل.
بصينا احنا الاتنين لمريم، اللي لفت راسها وبصت لنا ببراءة وقالت بابا.. أنا عايزة شيكولاتة.
طارق طلع باكو شيكولاتة كبير من جيبه وقدمه لها وهو بيقول خدي يا ست مريم.. خدي الشيكولاتة وخبي كل أسرارك، إحنا من غيرك كنا زماننا لسه بنقول يا فتاح يا عليم!
ومن اليوم ده، عرفنا إن براءة الأطفال وسماعهم للتفاصيل الصغيرة ممكن يغير مصير عائلات بحالها.. وبقت حكايات مريم هي الأمان بتاعنا في كل خطوة بنمشيها.
ومع كل خطوة جديدة، بدأنا نتعامل مع مريم بحذر شديد.. بس حذر ممزوج بحب وفخر. البنت اللي كان الكل شايفها شقية ومبتعرفش توشوش، بقت هي الحارس الأمين لبيتنا.
الحكاية مأثرتش علينا إحنا بس، دي غيرت طارق تماماً. في الشغل، الكل بقى بيعمل له ألف حساب، مش بس لأنه مدير حسابات شاطر وكشف فساد أكبر رأسين في الشركة، لأ، لأنهم لاحظوا إنه دايماً سابقهم بخطوة، وميعرفوش إن السر كله بيبدأ من أوضة مريم والقصص اللي بتحكيها قبل ما تنام.
في ليلة من ليالي الشتاء الدافية، كنا قاعدين بنتعشى، ومريم كانت بتاكل ومبسوطة، وفجأة بصت لطارق وقالت له بابا.. أنا بحب الشقة الجديدة دي أوي، ومبحبش عمو الأسمر اللي بيفضل واقف تحت البيت يبص على بلكونتنا.
طارق حط الشوكة من إيده فجأة، وبصلي. أنا قلبي
فعلاً، كان فيه راجل أسمر، لابس جاكيت تقيل، وواقف ساند على عربية وبيبص ناحية عمارتنا. طارق قفل الشيش وبصلي وقال بنبرة هادية بس حاسمة سمر.. ادخلي مع مريم الأوضة جوه.
طارق في إيه؟ سألته وركبي بتخبط في بعضها، هو رفعت ليه رجالة لسه بره؟
مش عارف، بس مش هخاطر، طارق قال وهو بيطلع تليفونه ويكلم الظابط المسؤول عن قضيتنا في الرقابة الإدارية، واللي بقى صديق شخصي لطارق بعد كشف المزرعة.
طارق وصف له الراجل ونمرة العربية اللي واقفة تحت. الظابط قاله خليك مكانك يا طارق، ومحدش ينزل، القوة قريبة من منطقتكم وهنتصرف.
عدت ربع ساعة كأنها سنة. كنا سامعين صوت الهوا بره، لحد ما فجأة سمعنا صوت فرامل عربية بوكس، وصوت زعاق في الشارع. جريت أنا وطارق على البلكونة وبصينا من ورا الشيش.
لقينا رجالة المباحث محاصرين الراجل الأسمر، وبيقيدوا إيده. الراجل مكنش بيقاوم، بالعكس، كان بيطلع كارنيه من جيبه وبيحاول يفهمهم حاجة. الظابط مسك الكارنيه وبص فيه، وبعدين رفع راسه لبلكونتنا وشاور لطارق بإيده وعلامة ابتسامة على وشه.
تليفون طارق رن، وكان الظابط اطمن يا أستاذ طارق.. الراجل ده مطلعش من رجالة رفعت ولا حاجة.
أمال مين ده يا فندم؟ طارق سأل وهو بينهج من الارتياح.
الظابط ضحك وقال ده أمين شرطة من قوة الحراسة والتأمين اللي مديرية الأمن بعتاها لتأمين مربع سكنكم بعد القضية الأخيرة! الراجل واقف بيحرسكم، وبنتك الله يسامحها قطعت الخلف لينا وليك!
طارق قفل التليفون، ووقع على الكنبة من كتر الضحك وهو حاطط إيده على قلبه. أنا أخدت نفس طويل ورميت نفسي جنبه وإحنا مش مصدقين إن الرعب قلب بضحك وكوميديا.
مريم خرجت من الأوضة وهي ماسكة عروستها وبتبص لنا باستغراب هو عمو الأسمر مشي؟
طارق شدها وقال لها مشي يا قلب بابا.. مشي وطلع بيحمي
نا. بس قوليلي يا مريم، مفيش أي حد تاني شفتيه بيخبي دهب؟ بيعض؟ بيمشي ورا الحيط؟ أي حاجة كدة ولا كدة عشان نعمل حسابنا من دلوقتي؟
مريم ضحكت ببراءة وقالت لأ خلاص.. بس أنا عايزة أروح الحضانة بكرة عشان أقول ل ميز سارة إن بابا بقى بطل في التلفزيون.
طارق بصلي وابتسم وقال سيبوها تقول اللي هي عايزاه.. الحقيقة دايماً بتطلع من بق الأطفال، وإحنا حقيقتنا إننا بقينا في أمان.
ومن الليلة دي، قفلنا دفتر الخوف تماماً، وعرفنا إن حكايات مريم، مهما كانت غريبة أو تخوف في الأول، دايماً بتنتهي بإنها تنور لنا الطريق وتعرفنا مين معانا ومين علينا.
وبالفعل، راحت مريم الحضانة تاني يوم، وطبعاً زي ما وعدت طارق، محكتش بس ل ميز سارة، دي حكت للحضانة كلها من أول المدير لحد عامل الأمن
الشهور مرت، وبقت القصة دي مجرد ذكريات بنفتكرها وإحنا بنضحك. طارق استقر تماماً في منصبه الجديد، والشركة بقت أنظف وأنجح بكتير بعد ما اتطهرت من الفساد. وأنا رجعت أركز في بيتي وبنتي وحياتي اللي كنت حاسة إنها كانت بتضيع مني في لحظة.
في يوم، وطارق راجع من الشغل، دخل ومعه علبة قطيفة حمراء صغيرة. قعد جنبي على الكنبة وفتحها، ولقيت جواها خاتم دهب رقيق جداً شكلها شيك أوي.
إيه ده يا طارق؟ بمناسبة إيه؟ سألته وأنا عيني بتلمع من الفرحة.
مسك إيدي ولبسهوني وقال بنبرة مليانة حنية بمناسبة إنك وقفتي جنبي في أصعب أيام حياتي.. ولأنك صبرتي على رعب لو جبل مكنش استحمله. ربنا يخليكي ليا يا سمر.
في اللحظة دي، مريم دخلت الصالة وهي بتجري، شافت الخاتم في إيدي، وفجأة عينيها وسعت وسكتت.
أنا وطارق اتجمدنا في مكاننا. نفس النظرة، ونفس السكوت اللي بيجي وراه زلزال! طارق بلع ريقه بالراحة، وحط علبة الهدية على الترابيزة، وبص لمريم وقال وهو بيحاول يحافظ على هدوء صوته
مريم.. حبيبة بابا.. الخاتم ده أنا مشتريه من المحل اللي في أول الشارع بالظبط، ومعايا الفاتورة في جيب الجاكيت والله.. قوليلي، في أي تعليق؟ شفتي حد بيعَض وهو بيشتريه؟
مريم قربت وبصت للخاتم بتركيز، وبعدين رفعت راسها وبصت لطارق وقالت ببراءة شديدة
لأ يا بابا.. بس الخاتم ده شبه بالظبط الخاتم اللي ميز سارة لابساه في الحضانة، وهي قالت لي النهاردة إنها هتيجي تزورنا بكرة عشان تقابل البطل.. قصْدها إنت يا بابا!
طارق وبصلي ووشه اتقلب من الخضة، وأنا وقفت وحطيت إيدي في وسطي وبصيت له بنظرة حاسمة وقلت له ميز سارة جاية تقابل البطل؟ أه.. قولي بقى يا سي طارق، البطل عمل إيه في الحضانة وهو بيوصل البنت الصبح؟
طارق رفع إيديه لفوق وبدأ يرجع لورا وهو بيضحك بهيستيريا والله العظيم ما عملت حاجة! أنا بسلم البنت من على الباب وبمشي علطول! يا سمر اهدئي.. البنت دي هتخرب بيتي ببراءتها!
قضينا الليلة كلها نضحك ونهزر، ومريم واقفة في النص مش فاهمة ليه كلامها دايماً بيعمل فينا كده.
وعرفنا إن حياتنا مع مريم مش هتعرف الملل أبداً؛ طفلة بريئة، بكلمة واحدة منها هزت عرش رجال أعمال وفاسدين، وبكلمة تانية ممكن تقلب البيت كله في ثانية. بس الأكيد، إننا بقينا عيلة متماسكة، بنواجه أي حاجة وإحنا مطمنين، لأن الحقيقة دايماً واضحة في عيون بنتنا الصغيره.
ثاني يوم، الجرس رن في الميعاد بالظبط.
طارق جرى على أوضته بسرعة وكأنه مستخبي من كبسة شرطة، وأنا رحت فتحت الباب وأنا مجهزة الابتسامة الرسمية اللي وراها لغز محتاج حل. كانت واقفة ميز سارة، بنت في أواخر العشرين، ملامحها هادية وطيبة
أهلاً وسهلاً يا مدام سمر، أنا بجد متأسفة لو جيت من غير ميعاد رسمي، بس مريم مكنتش بتجيب سيرة غيركم طول الأسبوع، قالتها ميز سارة وهي بتبتسم بإحراج.
أبداً يا حبيبتي، ده إنتي تنورينا في أي وقت، اتفضلي، دخلتها الصالة، وفي ثانية مريم خرجت تجري وترمي نفسها .
قعدنا، وخرج طارق وهو لابس قميص مقفول لحد الرقبة وواقف على بعد خطوتين وكأنه في طابور عرض عسكري، وقال بنبرة رسمية جداً أهلاً يا فندم، منورة البيت.
ميز سارة اتفاجأت برسميته بس ضحكت وقالت أستاذ طارق.. أنا بجد جاية أشكرك بنفسي. مريم حكت لنا في الحضانة عن اللي حصل مع الراجل اللي كان ماسك الشركة القديمة.. أنا بس عايزة أقول لك إن والدي كان واحد من الموظفين الصغار اللي رفعت بيه رفدهم من سنة وظلمهم وضيع عليهم مكافأة نهاية الخدمة، ولما القضية اتفتحت بسببك وبسبب شجاعتك، بابا رجع له حقه والشركة الجديدة صرفت له كل تعويضاته.. إنت مش بس أنقذت عيلتك، إنت رجعت بيوت كتير كانت مكسورة.
طارق أخد نفس طويل، وبصلي ونظرة الخوف اللي في عينه اتقلبت لفخر وارتياح حقيقي. قعد معانا وبدأ يتكلم بتواضع الحمد لله يا فندم، ده حق ربنا، وإحنا مكنش لينا يد في حاجة، كله بفضل ربنا.. وبفضل مريم طبعاً.
ميز سارة بصت لمريم وقالت وهي بتضحك فعلاً! مريم دي أصل الكشاف بتاعنا في الحضانة. وبعدين التفتت ليا وقالت وعلى فكرة يا مدام سمر، مريم شافت الخاتم ده معايا لأن والدي اشتراهولي من نفس المحل اللي في أول الشارع بمناسبة إن حقه رجع لنا، ومريم لما شافته افتكرت شكله علطول!
أنا بصيت لطارق وضحكت، وطارق ضرب كف بكف وهو بيقول آه.. يعني الموضوع طلع رد مظالم مش حاجة تانية! أنا كده نمت وارتحت.
قضينا ساعتين من أجمل الساعات، مليانة كلام دافي وضحك. وميز سارة مشيت وهي بتدعي لنا بالبركة والأمان.
لما قفلنا الباب، طارق لف ليا ورفع حاجبة وقال شفتي بقى يا ستي؟ ظلمتيني وظلمتي البطل الشريف!
خلاص يا سيدي، حقك عليا، البطل شريف ومفيش كلام، قلتها وأنا بضحك وبجهز العشا.
أما مريم، فكانت قاعدة في ركن الصالة، ماسكة العروسة بتاعتها، وبتوشوشها بصوت واطي جداً لأول مرة في حياتها. طارق قرب منها على طراطيف صوابعه، ومال عليها وقال لها بتوشوشي العروسة بتقولي لها إيه يا مريومة؟
مريم لفت وبصت له بعيونها الواسعة اللامعة، وقالت بنبرة سرية جداً بقولها إن عمو البواب الجديد اللي تحت.. لسه مخبي كيس كبير مليان فلوس ورا شجرة الورد الكبيرة في الجنينة!
طارق اتثبت مكانه، وبصلي والصالة فجأة سكتت تاني.
أنا مسكت المخدة التانية ورميتها عليه وقلت له البس الجاكيت يا طارق.. واطلب الظابط صاحبك.. شكلنا ملناش نصيب نتعشى
طارق مسك المخدة وهو بيضحك بهيستيريا، بس الضحكة
متابعة القراءة