الراجل الي بيعض حكايات صافي هاني

لمحة نيوز

مكملتش ثانيتين وتحولت لملامح جدية جداً. بص لمريم وقال لها بصوت واطي كيس كبير يا مريم؟ وشجرة الورد الكبيرة اللي عند المدخل؟
مريم هزت راسها بكل ثقة وهي بتاكل حتة شيكولاتة آه يا بابا، هو افتكرني مش شايفاه عشان كنت واقفة في البلكونة بأكل العصافير، بس أنا شفته وكان خايف أوي وهو بيحفر في الطين.
طارق بصلي وقال وهو بيقوم يلبس جاكيته سمر، البواب الجديد ده لسه مستلم الشغل من تلات أيام بس، والشركة العقارية اللي مسؤولة عن أمن العمارة قالت إنه ورق صلاحه تمام.. بس كلام مريم مابينزلش الأرض. أنا هكلم سيادة العقيد حالا.
طارق طلع الموبايل وكلم الظابط صاحبنا في الرقابة، وحكى له اللي مريم شافته. الظابط على الناحية التانية سكت شوية وبعدين قال بنبرة اهتمام شديد طارق.. إنت متعرفش إحنا بنقفل في قضية رفعت وحازم وناقصنا إيه.. المحامي حازم قبل ما يتم القبض عليه، سحب مبلغ كاش ضخم جداً من حساب سري، ومكنش موجود لا في بيته ولا في مكتبه. خليك مكانك ومتحسسش البواب بأي حاجة، أنا هبعت قوة حالا.
مفيش نص ساعة، ولقينا من عين السحرية بتاعة الباب حركة غريبة في الممر، وبصينا من البلكونة ورا الشيش كالعادة اللي بقينا محترفين فيها.
شفنا عربية مدنية نزلت منها قوة من رجال المباحث بلبس مدني، وقربوا من الجنينة. الظابط صاحبنا كان معاهم، وراح مباشرة لشجرة الورد الكبيرة وبدأوا يحفروا.. وبفعل، طلعوا كيس بلاستيك أسود تقيل ملفوف بلزق عريض. أول ما فتحوه، بان منه رزم الفلوس المشبوهة!
البواب الجديد أول ما شافهم، حاول يجرى ناحية البوابة، بس الرجالة كانوا محاصرينه في ثانية وكلبشوا إيده. الراجل طلع هو كمان حلقة في سلسلة الفساد القديمة، وكان بيحاول يخبي الأمانة في مكان مألوف ومحدش يشك فيه لحد ما الدنيا تهدى.
الظابط رفع راسه لبلكونتنا، وعمل لطارق إشارة تمام وهو بيضحك، وكأنه بيقوله بنتك دي لازم تتعين معانا في الجهاز.
طارق قفل الشيش، ولفت ليا وهو بينهج من كتر الإثارة وقال سمر.. إحنا بيتنا ده مابقاش بيت عادي.. ده بقى فرع لوزارة الداخلية!
جرينا إحنا الاتنين على مريم، طارق شالها ولف بيها وهو بيقول
إنتي إيه يا بنتي؟ إنتي مخابرات؟ إنتي مكافحة فساد؟
مريم ضحكت بصوت عالي وقالت وهي بتفرك عينيها بنعاس بابا.. أنا عايزة أنام خلاص.. بس بكرة عايزة أروح الملاهي.
طارق باسها من خدودها وحطها في سريرها وغطاها بكل حنان وقال لها من عينيا يا قلب بابا، بكرة الملاهي كلها هتبقى بتاعتك.. بس أرجوكي، وإحنا هناك، متصاحبيش حد، ولا تبصي على حد، وخلي عينك في الأرض عشان نرجع البيت على رجلينا!
دخلنا أنا وطارق أوضتنا، وقعدنا على السرير وإحنا حاسين براحة مفيش بعدها راحة. الفساد اللي كان محاوطنا من كل حتة، ربنا جعل ببراءة بنتنا الصغيرة سبب في إنه يتمحي تماماً من حياتنا وحياة الناس اللي حوالينا.
حطيت راسي على كتف طارق وأنا ببتسم وب
صيت للخاتم الجديد في إيدي، وقلت له تفتكر بكرة في الملاهي مريم هتشوف إيه؟
طارق اتمط في السرير وقفل النور وقال وهو بيضحك لو شافت أي حاجة، أنا هعمل نفسي مش من هنا.. تصبحي على خير يا سمر، وعاش بطل الحكايات.. وعاشت الست اللي بتعض اللي عرفتنا الحقيقة!
صحينا تاني يوم الصبح على صوت زقزقة العصافير والشمس مالية الشقة الجديدة. الجو كان مثالي جداً للخروج، وطارق كان صاحي رايق ولابس هدوم كاجوال، ومجهز نفسه لرحلة الملاهي اللي وعدنا بيها مريم.
سمر، اجهزي بسرعة واجهزي مريومة، أنا عايز اليوم ده يبقى كله لعب وفرحة وبس، مش عايز تفكير في أي مشاكل، طارق قالها وهو بيشرب الشاي في البلكونة وبيمسح وشه براحة.
لبسنا ونزلنا، ومريم كانت طايرة من الفرحة، بتتنطط في العربية وتغني طول الطريق. وصلنا الملاهي، المكان كان زحمة ومليان أنوار وألعاب ضخمة وصوت ضحك الأطفال مالي الحتة. طارق اشترى التذاكر، ودخلنا وإحنا ماسكين إيد مريم من الناحيتين.. طارق ماسك إيدها اليمين وأنا ماسكة الشمال، كأننا بنأمن مخرج طوارئ!
قضينا تلات ساعات من أجمل الأوقات؛ مريم ركبت عربيات التصادم، وطارق ركب معاها قطر الموت وفضل يصرخ أكتر منها والناس تضحك عليه، وأنا كنت واقفة بصورهم وميتة على نفسي من الضحك. لأول مرة من شهور طويلة، نحس إننا عيلة طبيعية، مفيش وراها قضايا، ولا تهديدات، ولا خوف من بكرة.

على الساعة 5 بعد الظهر، تعبنا من اللف، فقعدنا في الكافتيريا الكبيرة اللي في وسط الملاهي عشان ناكل ونرتاح. طارق راح يجيب الأكل، وأنا قعدت مع مريم اللي كانت بتلعب بلعبة صغيرة كسبتها من المراجيح.
وفجأة، لقيت مريم سابت اللعبة، وبصت ورايا بتركيز شديد.
أنا جسمي اتنفض تلقائياً! النظرة دي.. السكوت المفاجئ ده.. أنا بقيت حافظاه أكتر من اسمي!
لفيت راسي براحة وبصيت في الاتجاه اللي هي بتبص فيه. مكنش فيه غير ترابيزة بعيدة قاعد عليها راجل وست شيك جداً، ومعاهم طفل صغير عنده حوالي خمس سنين، باين عليهم عيلة راقية ومفيش أي حاجة غريبة.
طارق رجع وشايل الصواني، لقى وشي متغير ومبلمة. حط الأكل وبص لمريم، وبعدين بصلي وقال بنبرة رجاء طفولية سمر.. أرجوكي بلاش الوش ده.. إحنا في الملاهي! قوليلي إنك دايخة من قطر الموت!
طارق.. بص لمريم، همست له برعب.
طارق لف لمريم وطبطب عليها وقال مريومة حبيبتي.. كلي الفراخ المقلية دي جميلة أوي.. وسيبك من أي حد حوالينا ماشي؟
مريم شاورت بصابعها الصغير الملغوص كاتشاب على الترابيزة اللي ورايا، وقالت بصوتها العالي اللي مبيعرفش يوشوش بابا.. شفت الست الشيك اللي قاعدة هناك دي؟
طارق بلع ريقه وبص للست وقال بصوت واطي مالها يا مريم؟ لابسة فستان حلو؟
مريم هزت راسها وقالت ببراءة قاتلة لأ.. دي الست اللي كانت بتعيط في التلفزيون الأسبوع اللي فات، والراجل المذيع كان بيقول أرجوكم ساعدونا نلاقي الطفل المخطوف ده.. بس الولد الصغير اللي قاعد معاها دلوقتي هو اللي كان في الصورة.. وهي عمالة تقوله يا حازم وهو بيقولها يا طنط ومبيناديلهاش يا ماما!
اللقمة وقفت في زور طارق. بص للترابيزة بتركيز، وافتكر فعلاً إنه شاف الإعلان ده على الفيسبوك وفي التلفزيون من كام يوم.. طفل من عيلة غنية اتخطف من قدام مدرسته، والبلد كلها كانت مقلوبة عليه!
طارق وشه قلب جد تماماً. طلع تليفونه بسرعة، وعمل بحث عن صفحة المفقودين، وطلع صورة الطفل المخطوف.. وقارن بين الصورة والطفل اللي قاعد على الترابيزة وبياكل وهو خايف وباصص للأرض.
الشبه كان مية في المية! الست والراجل اللي معاها مكنوش
أهله.. دول كانوا الخاطفين، وقاعدين في وسط الزحمة والملاهي عشان محدش يشك فيهم كأنهم عيلة بريئة بتمسّح الولد!
طارق بصلي وعينه فيها شرار، مابقاش خايف زي زمان، بقى عنده ثقة تامة في رادار بنته.
سمر.. خليكي مع مريم هنا ومتحركيش، طارق قالها وهو بيقوم.
طارق هتعمل إيه؟ دول ممكن يكونوا مسلحين! قلتها وأنا ماسكة في كم جاكيته.
مش هخاطر وأخليهم يمشوا بالواد، طارق مشي بسرعة وراح لأقرب نقطة أمن تابعة للملاهي، وطلب مدير الأمن ووصف له الوضع ورآه صورة الطفل على الموبايل.
خلال خمس دقائق بالظبط، وبدون ما حد يحس، أفراد أمن الملاهي بالتعاون مع شرطة السياحة اللي تأمن المكان، حاصروا الترابيزة بالراحة. الراجل والست حسوا بالحركة وحاولوا يقوموا ياخدوا الولد ويجروا، بس الظباط كانوا أسرع، وقفلوهم السكة وكلبشوا إيديهم وسط ذهول وصدمة كل الناس اللي في الكافتيريا.
الولد الصغير أول ما شاف الشرطة، جرى عليهم وهو بيعيط وبيقول طنط دي مش ماما.. وديتوني فين؟
الظابط شال الولد وهو بيطمنه، والتفت لطارق اللي كان واقف بعيد وضربه تعظيم سلام شكر، وطارق شاور على مريم اللي كانت قاعدة بتاكل بطاطس بكل برود وكأنها لسه مخلصة مهمة في المخابرات وجعانة.
لما رجعنا البيت بالليل، طارق شال مريم ودخلها سريرها وباس إيدها اليمين وإيدها الشمال وقال لها أنا رسمي هسميكي سيادة العقيد مريم.. إنتي النهاردة رجعتي قلب أم كان هيموت من الحسرة على ابنها.
مريم غطت نفسها وقالت وهي بتفتح بقها الصغير وبتثاءب بابا.. أنا بكرة عايزة أروح عند تيتة.. عشان عمو اللي ساكن فوق تيتة...
طارق حط إيده على بوقها بسرعة وهو بيضحك وبيموت من الخوف بس! بس يا مريم! تيتة مين وعمو مين! إحنا بكرة هنقعد في البيت، وهنقفل الشبابيك، وهنلغي التلفزيون، ومش هنشوف حد.. نامي يا حبيبة بابا نامي، سيبيلنا أسبوع واحد بس من غير قضايا الله يرضى عنك!
خرجنا الصالة وأنا وطارق قعدنا نضحك لحد ما عيطنا.. عرفنا إن حياتنا اتغيرت تماماً، وإن ربنا رزقنا ببنت براءتها وعينها الذكية بتنقذ الناس وتجيب الحق. وبقت كل ليلة بنام فيها وإحنا عارفين إن الحكاية الجاية
لمريم.. هي الأمان الجديد لينا وللعالم كله.

تم نسخ الرابط