قاعة المحكمه حكايات صافي هاني

لمحة نيوز

كلها بتوسع لهم وسامعين صوت زغاريط وفرحة في الطرقة برة. والقاضية قعدت تاني على كرسيها المتحرك، بس المرة دي وهي حاسة إن روحها هي اللي رجعت تطير من جديد، ولمت ورقها وهي بتسبح وبتحمد ربنا.
بعد ما القاعة فضيت تماماً، ومبقاش فيه غير المستشارة وسكرتير الجلسة اللي كان لسه بيلم حاجته وهو مش قادر يشيل عينه من عليها، القاضية بصت لرجليها تاني.
حركت صوابع رجليها بالراحة... الحركة كانت حقيقية، مش مجرد ارتعاش. الدفا اللي سرى في جسمها كان لسه موجود، وكأن فيه روح جديدة اتكتبت لها.
السكرتير قرب منها بتوجس وقال سيادة المستشارة... أحضر لحضرتك عربية الإسعاف؟ أو نكلم الدكتور بتاعك؟
المستشارة رفعت راسها وبصت له وعينيها فيها لمعة غريبة، وقالت بابتسامة هادية لا يا متر... كلملي السواق يجهز العربية، وقوله مش هنروح على البيت... هنطلع على مستشفى القصر العيني.
السكرتير استغرب تعبانة يا فندم؟
ردت عليه وهي بتسند على مكتبها وبتقوم تقف بثبات أكتر من المرة الأولى لا... رايحة أتبرع بأجهزة ل شلل الأطفال... الخير اللي جالي من عند ربنا لازم يرجع للناس.
مشيت خطوتين كاملين من غير ما تسند على حاجة، وخطواتها كانت بتعمل صوت رنان على بلاط القاعة الفاضية. سابت الكرسي المتحرك وراها في نص القاعة، وكأنه بقى
حتة حديد مالهاش أي قيمة بعد ما كان سجنها لسنين.
وهي خارجة من باب القاعة، بصت للسما من الشباك الكبير اللي في الطرقة، وقالت بصوت همس سمعه صدى الحيطة بس الحمد لله... العدل صاحب الحق، ورجّع الحق لأصحابه.
السواق لما شافها خارجة من باب المحكمة وعلى رجلها، اتصدم لدرجة إن مفتاح العربية وقع من إيده على الأرض. جري عليها وهو مش مصدق يا فندم! سيادة المستشارة! أنتِ بتمشي؟ يا ألف نهار مبروك! دي معجزة!
المستشارة ابتسمت ووقفت تبص للجنينة بتاعة المحكمة وللشمس وهي طالعة، وحست بنسمة الهواء على وشها وكأنها أول مرة تشوف الدنيا برة الكرسي. قالت له بهدوء الحمد لله يا مترو.. الحمد لله. يلا بينا على القصر العيني زي ما قولتلك.
طول الطريق، القاضية كانت بتبص من شباك العربية على شوارع القاهرة والزحمة، والناس اللي بتجري على أكل عيشها، وحاسة إنها اتولدت من جديد.
لما وصلت المستشفى، دخلت على مكتب مدير المستشفى بنفسها. المدير أول ما شافها واقفة على رجليها وقف مكانه مذهول، لإن حالتها كانت معروفة في الأوساط الطبية وعارفين إن عصب رجليها كان ميت تماماً.
سيادة المستشارة! مش ممكن! إزاي ده حصل؟!
قعدت قدامه بكل هيبة وقالت له حصل بأمر الشافي يا دكتور.. ومجيتيش هنا عشان أتكلم عن نفسي. أنا جاية أتنازل عن
أرض ليا في حزام القاهرة وبملايين، لصالح بناء جناح كامل مجاني لعلاج وتأهيل الأطفال اللي عندهم شلل أو ضمور في العضلات.. وعايزة الجناح ده يتسمى باسم بشرة خير.
المدير عينه دمعت من التأثر وقام وقف يحييها ده كرم كبير أوي يا فندم، وهيغير حياة أطفال كتير مالهمش ذنب.
وهي بتوقع على أوراق التبرع، افتكرت البنت الصغيرة وضحكتها، وافتكرت لمسة إيدها الطاهرة اللي كانت سبب في الشفا. وفي نفس اللحظة، في مكان تاني بعيد في حارة بسيطة، كانت البنت قاعدة في حضن أبوها وهما بياكلوا لقمة عيش وجبنة بفرحة وراحة بال، والبنت بصت لأبوها وقالت له بابا.. أنا حاسة إن المستشارة دلوقتي بتمشي في الشارع ومبسوطة.
أبوها باس راسها وقال هي طيبة يا بنتي.. والناس الطيبة ربنا دايماً بيفرح قلبهم.
عدى كذا شهر، وجناح بشرة خير في المستشفى اتفتح وبقى مليان أطفال من كل مكان بيتعالجوا بالمجان. المستشارة كانت بتروح بنفسها كل أسبوع، تطمن على الأطفال وتتكلم معاهم، ورجليها بقت تشيلها أحسن من الأول بكتير، وكأن البركة اللي حلت عليها مابتخلصش.
في يوم من الأيام، وهي قاعدة في مكتبها بالمحكمة بتبص في قضية جديدة، سكرتير الجلسة خبط ودخل وهو شايل علبة قطيفة شكلها شيك جداً.
المستشارة رفعت راسها إيه ده يا متر؟
السكرتير ابتسم وقال
دي أمانة يا فندم، سابها راجل وبنت صغيرة برة في الاستقبال وركبوا ومشيوا على طول، بس البنت صممت إنها توصلهالك بنفسها ولما ملقتكيش سابتها معايا.
المستشارة فتحت العلبة القطيفة، ولقت جواها حاجة غير متوقعة... لقت الجاكت الأخضر اللامع بتاع البنت الصغيرة، ومعاه ورقة مكتوبة بخط إيد طفولي ومبهدل شوية.
فتحت الورقة وتقصت الكلمات بابتسامة دافية
سيادة المستشارة الطيبة.. الجاكت ده كان أغلى حاجة عندي، وأنا كنت لابساه يوم ما جيتلك عشان كان بيديني قهر وقوة. أنا دلوقتي كبرت شوية والجاكت صغر عليا، بس أنا سيباهولك هنا في مكتبك عشان كل ما تبصي عليه تفتكري إن العدالة دايماً قوية، وإن ربنا دايماً بيبعت الناس لبعض عشان يساعدوا بعض. أنا وبابا بنحبك أوي.
المستشارة لمت الجاكت وضمتّه لِصدرها، وعينيها دمعت فرحة وفخر. قامت من على مكتبها، ومشت بخطوات ثابتة وقوية ناحية الشماعة اللي في ركن المكتب، وعلقت الجاكت الأخضر الصغير جنب الروب الأسود بتاع المحاماة والقضاء.
وقفت تبص لهم هما الاتنين جنب بعض، وحست إن رسالتها في الدنيا بقت واضحة أكتر من أي وقت فات؛ إن القانون لو ما تلونش بالرحمة والإنسانية، عمره ما هيحقق العدل الحقيقي. ومن اليوم ده، كل ما كانت تدخل مكتبها عشان تحكم بين الناس، تبص للجاكت الأخضر،
فتعدل نظارتها، وتدخل الجلسة
تم نسخ الرابط