قاعة المحكمه حكايات صافي هاني
بقلب ماليان بالعدل والرحمة.
ومع مرور السنين، الجاكت الأخضر فضل متعلق في مكتب المستشارة، وكل ما جيل جديد من القضاة الشباب يدخل مكتبها عشان يتعلم منها، يسالوها عن سر الجاكت الصغير ده اللي متعلق جنب روب القضاء المهيب، فكانت تبتسم وتقولهم ده حارس العدالة في المكتب ده.. ده اللي بيفكرني إن ورا كل قضية وورق، فيه لحم ودم وقلوب بريئة.
البنت الصغيرة كبرت، ودخلت كلية الحقوق، وبقت شابة واعية وذكية. وفي يوم تخرجها، المستشارة كانت هي ضيفة الشرف في الحفلة. ولما طلعت البنت عشان تستلم شهادتها، المستشارة طلبت تسلمها بنفسها.
وقفت الشابة قدام المستشارة، وعينيها لمعت بالدموع وهي بتفتكر اليوم اللي جريت فيه في المحكمة. المستشارة حتط إيدها على كتفها وقالتلها بصوت كله فخر أنا مستنياكي يا فندم في المحكمة.. الجاكت الأخضر صغر عليكي صحيح، بس الروب الأسود مستنيكي عشان تمليه بالعدل والرحمة.
الشابة تفتت لأبوها اللي كان قاعد في وسط الحاضرين وعينيه مليانة دموع الفرحة، وبعدين بصت للمستشارة وقالت أنا اتعلمت العدل منك يا فندم، واليوم ده هو البداية بس.
المستشارة رجعت مكتبها بالليل، بصت للجاكت الأخضر والعدالة
عدت الأيام، والشابة الصغيرة وبقت معاون نيابة قد الدنيا، والكل بيشهد لها بنزاهتها وقوتها، بس الأهم من ده كله... برحمتها بظروف الناس.
وفي يوم من الأيام، المستشارة العجوزة حست إن صحتها خلاص مبقتش قادرة على مجهود المحاكم، فقررت إنها تطلع معاش وتسيب المنصة. وفي آخر يوم ليها في مكتبها، كانت بتلم حاجتها بالراحة، ووقفت قدام الشماعة وبصت للجاكت الأخضر اللي بقاله سنين مكانه.
الباب خبط، ودخلت الشابة وهي لابسة وشاح القضاء لأول مرة في حياتها بعد ما اتعينت قاضية رسمياً. بصت للمستشارة وللجاكت وعينيها دمعت سيادة المستشارة... المحكمة من غيرك هتفقد حتة من قلبها.
المستشارة ابتسمت وبصت لها بحنان، وقربت من الشماعة، وشالت الجاكت الأخضر الصغير بكل هدوء، وحطته في إيد الشابة وقالت لها المكتب ده من بكرة هيبقى مكتبك أنتِ يا سيادة القاضية... والجاكت ده أمانة في إيدك، زي ما رجع لي روحي ورجلي زمان، عايزاه يفضل قدام عينيكِ
الشابة ضمت الجاكت لِصدرها وهي بتعيط، وقالت أوعدك يا فندم... هيفضل في ظهري وسند ليا، وعمري ما هنسى الدرس اللي علمتيهوني وأنا عيلة مش فاهمة حاجة.
المستشارة لفت ضهرها وخرجت من باب المكتب وهي ماشية بخطوات بطيئة بس ثابتة ومرفوعة الراس، وسابت وراها جيل جديد شايل راية الحق والرحمة.
ولما الشابة قعدت على الكرسي وبصت للجاكت الأخضر المتعلق جنب الروب الأسود الجديد بتاعها، افتكرت جملة أبوها زمان، وابتسمت وهي بتفتح أول قضية ليها وقالت العدالة فعلاً... عمرها ما بتتشتل.
الشابة مسكت القلم وبصت لأول قضية قدامها، وحست بمسؤولية كبيرة قوي هزت قلبها. الجاكت الأخضر كان منور في ركن الأوضة، وكأنه بيديها طاقة ودفا يخليها تبدأ مشوارها وهي مش خايفة من أي حاجة.
بعد كذا سنة، المستشارة العجوزة كانت قاعدة في بيتها، وصحتها بدأت تضعف بحكم السن، بس قلبها كان لسه متعلق بالمحكمة وأخبارها. وفي يوم، تليفونها رن، وكانت الشابة هي اللي بتتصل وصوتها كله فرحة وحماس
سيادة المستشارة.. أنا عايزة حضرتك تيجي المحكمة بكرة، فيه حاجة لازم تشوفيها بنفسك.
المستشارة رغم تعبها ما رفضتش، ولما راحت المحكمة الصبح، لقت الشابة مستنياها على الباب، وأخدتها من إيدها ودخلوا قاعة المحكمة الكبيرة.
أول ما المستشارة دخلت، اتفاجئت إن القاعة مليانة قضاة ومستشارين من كل الأجيال، ووراهم على الحيطة الرئيسية للمحكمة، كان محطوط برواز إزاز كبير وشيك جداً، وجواه الجاكت الأخضر الصغير وجنبيه جملة مكتوبة بماء الذهب العدالة التي لا تتلون بالرحمة.. ليست عدالة حقيقية.
رئيس مجلس القضاء الأعلى قرب من المستشارة العجوزة وقالها سيادة المستشارة، القاضية تلميذتك قدمت طلب لتخليد القصة دي، والمجلس وافق بالإجماع عشان الجاكت ده يفضل رمز لكل قاضي يدخل القاعة دي، يفكرنا إن القانون روح قبل ما يكون نصوص.
المستشارة بصت للشابة وللجاكت وعينيها مليانة بدموع الفرحة، وحست إن رسالتها في الدنيا اكتملت ووصلت لأعلى مكان ممكن توصله. بصت للسما وقالت في سرها الحمد لله.. الأمانة اتسلمت، والزرعة الطيبة بقت شجرة تظلل على كل مظلوم.
ومن اليوم ده، بقى الجاكت الأخضر الصغير حكاية تتوارثها الأجيال في المحاكم المصرية، حكاية بتفكر الكل إن لمسة رحمة واحدة من قلب صادق، قادرة تغير قوانين الدنيا