حبسو بنتها حكايات صافي هاني

لمحة نيوز

الجديدة في المحافظة اللي نقلنا ليها. الشقة كانت بسيطة بس الشمس بتدخلها من كل حتة، والزرع مالي البلكونة. ليلى كانت قاعدة على المكتب جوه بتلون وفاتحة التكييف، وصوت ضحكها وهي بتتكلم في التليفون مع صاحبتها الجديدة في المدرسة كان مالي البيت.
السنة دي ما كانتش سهلة، بس كانت أحسن سنة في حياتي.
المحكمة حكمت على أبويا وأختي بالسجن سنة مع الشغل والنفاذ بتهمة تعريض حياة طفلة للخطر والإهمال الجسيم. أمي حاولت تبيع دهبها وتكلم معارف أبويا عشان يخرجوا بكفالة أو يعملوا استئناف، بس حكم المحكمة كان قاطع، خصوصاً إن تقرير حماية الطفل وفيديو الفندق كانوا صدمة للرأي العام والموضوع اتسرب لصفحات الحوادث. العيلة اللي كانت بتموت في المظاهر والمنظرة، بقت سيرتها على كل لسان، والكل اتهرب منهم ومن قرفهم.
أمي حاولت تبعتلي ناس بعد الحكم عشان أتنازل في الاستئناف ويطلعوا بنصف المدة، بس أنا غيرت خط تليفوني تماماً، ومحدش فيهم عرف يوصلي.
أنا اشتغلت شغلانتين في الأول عشان أقدر على مصاريفنا، والحمد لله ربنا كرم ورجعت وقفت على رجلي من غير ما أحتاج لقرش من حد ولا أسمع كلمة تذلني. ليلى كمان راحت لدكتورة نفسية شاطرة جداً ساعدتها تتخطى الرعب اللي عاشته في الأوضة دي، وبقت دلوقتي أحسن بكتير، ومبقتش تخاف من الضلمة أو الأماكن المقفولة.
تليفوني
رن، برقم المحامي بتاعي. رديت عليه أيوة يا أستاذ محمد، خير؟
المحامي قال لي خير يا مدام، أنا بس ببلغك إن مدة الحكم انتهت وأبوكي وأختك خرجوا من كام يوم. هما حاولوا يسألوا في المحكمة عن عنوانك الجديد، بس طبعاً البيانات سرية ومحدش قدر يوصل لحاجة. أنا بس حبيت أنبهك عشان تاخدي بالك.
قلت له وأنا باصة لليلى وهي بتضحك شكراً يا أستاذ محمد، بس أنا مش خايفة. اللي يخرج من حياتنا بالبوليس والمحكمة، عمره ما هيعرف يرجع لها تاني.
قَفَلت السكة، وقمت دخلت لليلى الأوضة. حطيت قدامها طبق فاكهة ومَية ساقعة مشبرة. ليلى بصتلي وابتسمت وقالت ماما، أنا بحبك أوي، وبحب شقتنا دي جداً.
بستها من راسها وقلت لها وأنا بحبك يا روح ماما. يلا كملي تلوين.
وقفت أبص عليها وأنا حاسة بانتصار حقيقي. القفل اللي أبويا قفله على بنتي في أوضة الفندق زمان، كان هو نفسه المفتاح اللي فتحلي باب حريتي وحياة بنتي الجديدة. ودلوقتي، الباب ده اتقفل وراهم هما وللأبد.
مرت سنتين كمان، وليلى بقى عندها حداشر سنة. كبرت وبقت بنوتة زي الفل، متفوقة في دراستها وضحكتها مابتفارقش وشها. الرعب القديم خلاص بقى مجرد ذكرى بعيدة ورا ضهرنا، وحياتنا هادية ومستقرة تماماً.
في يوم، كنت راجعة من الشغل ورايحة أخد ليلى من تمرين السباحة. وأنا واقفة مستنياها قدام بوابة النادي، حسيت
بخيال حد واقف ورايا وصوت نفس قلقان. تلفّت بشويش.. ولقيت أمي!
كانت واقفة، وشها مليان تجاعيد ما كانتش موجودة قبل كده، ولابسة عباية عادية جداً مش من الهدوم الغالية اللي كانت بتتباهى بيها زمان. لما عيني جت في عينها، عيطت وقربت خطوة وهي بتمد إيدها المترعشة يا بنتي.. بقالي سنتين بلف على عنوانك.. سألنا طوب الأرض لحد ما واحد ابن حلال عرف طريقك ولمحك هنا.
رجعت خطوة لورا، وقلت بصوت ناشف وحازم عايزة إيه يا أمي؟ وإيه اللي جابك هنا؟
أمى بدأت تِعيط بانهيار والناس بدأت تبص علينا أبوكي عيان يا بنتي.. من ساعة ما خرج من السجن وهو جاله جلطة وقاعد على كرسي مش بيتحرك، وأختك خطوبتها اتفكت والناس كلها بقت تبص لنا بصه وحشة ومحدش بيطيق يدخل بيتنا. البيت اتخرب يا بنتي من يوم ما مشيتي.. إحنا اتعاقبنا خلاص، سامحينا وارجعي، أبوكي نفسه يشوفك أنتي وبنتك قبل ما يموت.
بصيت لها.. ولأول مرة ما حسيتش بأي غل أو رغبة في الانتقام، بس برضه ما حسيتش بأي تعاطف. حسيت بفضاوة تامة، كأني ببص لشخص غريب تماماً في الشارع.
قلت لها وهدوئي كان بيرعبها البيت اتخرب من يوم ما سيبتوا طفلة تموت من العطش في أوضة نار عشان تروحوا تتفسحوا بيخت.. العقاب اللي أنتم فيه ده مش بسببي، ده عدل ربنا في الدنيا قبل الآخرة. أنا بنتي كانت هتموت بسببكم، واليوم ده أنا دفنت
عيلتكم القديمة كلها من حساباتي.
أمي جرت ومسكت في كم جيلاتي يا بنتي حرام عليكي، إحنا لحمك ودمك! هتقسي علينا كده لحد إمتى؟
في اللحظة دي، البوابة فتحت وليلى خرجت وهي شايلة شنطة التمرين وبتجري عليا وهي بتضحك ماما! أنا عملت رقم جديد في السباحة النهاردة!.
أول ما ليلى شافت أمي، خطوتها تباطأت والضحكة اختفت من وشها، وجرت وقفت ورا ضهري ومسكت فيا جامد.. لسه فاكراهم.
أمي بصت لليلى ودموعها نازلة ليلى.. أنا تيتا يا حبيبتي.. مش فاكراني؟
ليلى بصت لها وقالت بكل قوة طفولية اتعلمتها أنا معنديش تيتا.. أنا عندي ماما بس.
شيلت إيد أمي من على كِمي بالراحة بس بقوة، وبصيت لها لآخر مرة وقلت تهيألي سمعتيها بنفسك. سيبونا في حالنا يا أمي، ومتحاوليش توصلي لنا تاني، لأن المرة الجاية هعمل أمر عدم تعرض بالبوليس.. إحنا قفلنا الباب ده من زمان، وياريت تنسي إن كان ليكي بنت هنا.
أخدت ليلى من إيدها ومشيت، مرجعناش نبص ورا الكام خطوة اللي مشيناهم. ركبنا عربيتنا البسيطة، وليلى بصت لي في
المراية وقالت ماما.. أنتي كويسة؟
مسكت إيدها وبستها وقلت لها أنا أحسن وحدة في الدنيا طول ما أنتي في حضني يا ليلى.
شغلت الكاسيت على أغنية بنحبها، وسوقنا في طريقنا لبيتنا.. البيت اللي كله مَيّة، وأكل، وتكييف، وباب مقفول بالحب والأمان، مش بقسوة البشر. ودي كانت
النهاية الحقيقية لقصتنا.

تم نسخ الرابط