اهلي فهمو الناس اني محبوسه حكايات صافي هاني
المحتويات
ومصدي.
طلعت الصندوق، والشارع كله مبقاش فيه نفس.
فتحت الصندوق بإيد بترتعش، وطلعت منه الحاجة اللي ببايا وأميا كانوا مستعدين يدمروا حياتي ويطلعوني مجرمة وسجينة عشان يداروها.. الحاجة اللي هتغير كل حاجة في الحتة دي.
فتحت الغطا الصاج اللي كان بيزيّق بعنف، والصوت في ودني كان كأنه صرخة. الشارع كله اتمدت رقابه، والمصور لَف الكاميرا بسرعة وحاول يلقط كادر من فوق كتفي، بس الظابط ووكر زقه بإيده لورا وهو بيقرب وعينه جوه الصندوق.
جوه الصندوق مكنش فيه جثة، ولا مخدرات، ولا آثار، ولا أي حاجة من اللي نظرات الجيران كانت بتدور عليها...
جوه الصندوق كان فيه ملف جلدي أسود منفوخ، وشرائط تسجيل قديمة كاسيت، ومعاهم طبنجة ميري قديمة متكلبشة بسلاسل صغيرة.
أول ما شفت الملف، قلبي سقط في رجلي. ذكريات ليلة من أربع سنين فاتت، ليلة ما سبت البيت وهربت على التجنيد، رجعت كلها في ثانية واحدة.
الظابط ووكر وطى، ومد إيده بالراحة وطلع الملف. فتحه، وبدأ يقلب في الورق.. وفجأة، إيده وقفت. ملامح وشه اتيبست، ونظرة الشك اللي كانت في عينه اتحولت لرعب حقيقي. بصلي وصوته اتهز لأول مرة ده... ده ورق عمليات الأمن الخاص بتاعة الولاية من عشر سنين؟ ودي أسماء...
وقبل ما يكمل جملته، أبلة دونيلي شهقت وحطت إيدها على بؤها لما
أبويا وأمي مكنوش خايفين مني يا فندم، صريت على أسناني والدموع المحبوسة بدأت تحرق عيني، بس وقفت بثبات أبويا وأمي كانوا خايفين من اللي هما عملوه.. الصندوق ده فيه تقارير الإدانة والرشاوي اللي بسببه البيوت دي كلها اتهدت، والأراضي دي اتاخدت بالباطل. أبويا كان شغال مع الشبكة دي، ولما أنا عرفت وهددت إني هبلغ قبل ما أدخل الجيش، أجبروني أهرب.. والنهاردة لما رجعت، فكروا إنك جاي تقبض عليهم بسببي، فقرروا يغدوا بيا ويقلبوا التربيزة عليا ويطلعوني أنا المجرمة قدام أهل الحتة عشان محدش يصدقني.
الشارع اتقلب في ثانية. الهمهمات بقت زعيق، ونظرات الشك اللي كانت بتاكل فيا، اتحولت لسكاكين متوجهة لبيت أبويا وأمي. الناس بدأت تفهم اللعبة.
عم هولواي بص للبيت وتف في الأرض وقال بغل يا ولاد الكلب.. طول السنين دي ومفهمينا إن البنت هربت بعارها، وأنتوا اللي عار المنطقة كلها!
الظابط ووكر قفل الملف بقوة، وبص للمصور وبصوت يرعب قال الكاميرا دي تقفل حالا، والورق ده يتحرز. وبعدين التفت ليا، رفع إيده وحياني تحية عسكرية كاملة وقال يا سارة.. أنتِ كملتي واجبك في الميدان، والنهاردة كملتيه هنا. اطلعي بريئة ومرفوعة الرأس.
في اللحظة دي، باب البيت
أبويا حاول يرجع لورا ويقفل الباب، بس رجلين الظابط ووكر كانت أسرع. أشار لاتنين من العساكر بتوعه بصوت زي الرعد هاتولي الإتنين دول.. ومحدش يخليهم يلمسوا حاجة في البيت!
في ثواني، كان الشارع قايد نار. أبلة دونيلي قعدت على الرصيف بتعيط وهي مش مصدقة إن الراجل اللي كانت بتعتبره جارتها وأخوها هو السبب في خراب بيتها من عشر سنين. الجيران اللي كانوا من شوية مستنيين الفضيحة ليا، بدأوا يتلموا حواليا، اللي بيحاول يطبطب على كتفي، واللي بيعتذر بنظراته، بس أنا كنت في عالم تاني.
كنت ببعد عن شجرة الصفصاف خطوة بخطوة، وببص لإيديا اللي مليانة طين... الطين اللي دفنت فيه حقيقتي وحمايتي لأربع سنين عشان خايفة من مواجهة الحقيقة.
سارة.. استني.
صوت عم هولواي وقفني. جالي وهو ماسك المحفظة العسكرية وورق التسريح بتاعي اللي الظابط سابهم معاه. مد إيده بيهم ليا وعينه مدمعة حقك علينا يا بنتي. شرفك وشرف بدلتك دي أنضف من المنطقة دي كلها. سامحينا.
خدت الورق منه، ونفضت التراب اللي عليه بالراحة. بصيت لبيت أبويا وأمي... كانوا خارجين والكلبشات في إيديهم،
المصور بتاع قناة الأخبار كان لسه واقف مذهول، والكاميرا في إيده بس منزّلها الأرض. قربت منه خطوة واحدة، وبصيت جوة العدسة مباشرة وقلت بنبرة هادية بس تزلزل قفلتم الكاميرات ليه؟ مش كنتوا مستنيين الفضيحة؟ صوروا.. صوروا البطل اللي بجد، وصوروا الخاين اللي بجد.
الظابط ووكر حط الملف والصندوق في شنطة عربية البوليس، وقرب مني قبل ما يركب يا آنسة سارة، بكره الصبح تشرفينا في المديرية، شهادتك هي اللي هتقفل القضية دي تمامًا. وبصفتي ظابط.. أنا فخور إن فيه في جيشنا ناس زيك.
العربيات مشيت، وسرينات البوليس بدأت تختفي بالتدريج، والشارع رجع هس.. بس المرة دي، مكنش كتمة نفس من الخوف، كان صمت الذهول والندم من الناس اللي حواليا.
ركبت عربيتي تاني، حطيت ورق تسريحي على الكرسي اللي جنبي، ودورت الموتور. وبصيت في المراية لنفسي... لأول مرة من أربع سنين، شوفت سارة الحقيقية، البنت اللي واجهت الحرب هناك، ونهت الحرب هنا. دوست بنزين ومشيت، ومن غير ما أبص ورايا ولا لمرة واحدة.
الطريق قدامي كان طويل وفاضي، وصوت الموتور كان الحاجة الوحيدة اللي بتكسر السكوت اللي جوة
متابعة القراءة