اهلي فهمو الناس اني محبوسه حكايات صافي هاني

لمحة نيوز

فيها وبقت غريبة عليا بدأت تتلاشى في المراية ورايا، ومعاها كل الخوف والظلم اللي عيشتهم.
سحبت نفس طويل، ولأول مرة من سنين حسيت إن الهوا بيدخل صدري بجد، مش مجرد أنفاس مكتومة ومتحفزة لأي غدر.
وصلت على أطراف المدينة، وركنت العربية على جنب قدام كافيه قديم وصغير كان هادي ومفيهوش زحمة. نزلت وأنا لسه ببدلتي العسكرية، الطين اللي على البيادة وعلى لبسي مكنش مضايقني، بالعكس، كان كأنه أوسمة جديدة انضافت لتاريخي، دليل إني حفرت بإيديا وطلعت الحقيقة من تحت الأرض.
دخلت قعدت على ترابيزة جنبه الشباك، وطلبت قهوة سادة. طلعت الموبايل بتاعي وبصيت عليه، الرسايل والإشعارات كانت بتنفجر. الأخبار بدأت تنزل، وفضيحة عائلة سارة اتحولت ل البطلة العسكرية تكشف أكبر شبكة فساد. جيراني، زمايلي القدام، وحتى ناس معرفهاش، كلهم ماليين السوشيال ميديا باعتذارات وكلام عن الشجاعة.
قفلت الشاشة وحطيت الموبايل على وشّه على الترابيزة. مكنتش محتاجة تصفيق من حد، ولا كنت مستنية اعتذار من مجتمع كان مستعد ينهش لحمي في ثانية لمجرد كلمة اتقالت عليا. أنا كنت محتاجة السلام ده.. السلام اللي بيني وبين نفسي.
القهوة جت، وجمبها كوباية مية. أخدت رشفة، وبصيت من الشباك على الشمس اللي كانت بتغيب وتغسل السما بلون أحمر دافي.
افتكرت كلام الظابط ووكر عن شهادتي الصبح في المديرية. القضية مش هتقف عند أبويا وأمي بس، الملف ده فيه حيتان كبيرة في البلد، ورؤوس كانت فاكرة نفسها فوق القانون، وبكرة الصبح، رجلي هتدوس على عش الدبابير ده من غير خوف. الحرب في الميدان علمتني إزاي أواجه الرصاص، والحرب هنا علمتني إزاي أواجه الورق والسياسة.
فتحت المحفظة العسكرية تاني، وبصيت على صورتي الكارنيه. ابتسمت لنفسي لأول مرة من قلبى... الرحلة كانت قاسية، والتمن كان غالي، بس النهاية كانت تستاهل.
أنا سارة.. البنت اللي دفنوا سرها عشان يكسروها، فرجعت بالبدلة العسكرية عشان تحفر بإيدها وتدفن فسادهم.
شربت قهوتي، وقمت وقفت بظهر مفرود، وخطوات واثقة، وخرجت عشان أستقبل الفجر
الجديد اللي أنا بنفسي صنعته.
رجعت البيت الصغير اللي أجرته على أطراف المدينة. السكوت جوه المكان كان مريح، ملوش علاقة بكتمة النفس اللي كانت في شارعنا القديم. قلعت الجاكيت العسكري التقيل، علقته بعناية، ودخلت غسلت إيدي من باقي طين شجرة الصفصاف. وأنا ببص للمية وهي بتجري في الحوض ولونها بيتغير، حسيت إنها بتغسل مع الخوف والوجع بتاع السنين اللي فاتت.
نمت ليلتها نوم عميق، من غير كوابيس عن الجبهة، ومن غير قلق من بكرة.
الصبح صحيت قبل المنبه. لبست لبس رسمي، نضيف ومريح، وأخدت المحفظة العسكرية وورق التسريح، ونزلت. الساعة كانت تمانية بالثانية وأنا واقفة قدام مبنى مديرية الأمن.
المبنى كان خليه نحل، والظابط ووكر كان واقف مستنيني عند البوابة الرئيسية ومعه ملفات تانية كتير. أول ما شافني، ملامحه الجادة ارتاحت شوية، وشاورلي أدخل معاه.
جاهزة يا سارة؟ سألني وهو بيفتح باب غرفة التحقيق الكبيرة. الكلام اللي هتقوليه النهاردة، والأسماء اللي في الملف ده، هيقلبوا الولاية رأساً على عقب. فيه رؤوس كبيرة بدأت تتحرك وتحاول تلم الموضوع من برة.
بصيت له بثبات وهزيت راسي أنا عيشت أربع سنين في وسط الألغام يا فندم. الرؤوس الكبيرة دي متخوفنيش. أنا هنا عشان أقفل الدفتر ده تماماً.
قعدت قدام وكيل النيابة، وبدأت أتكلم. حكيت كل حاجة بالتواريخ، والأسماء، والتفاصيل اللي شوفتها بعيني وأنا بنت عندها تسعتاشر سنة. حكيت عن التهديد، وعن ليلة ما دفنت الصندوق وهربت وأنا حاسة إن بلدي ملهاش أمان في وجود الناس دي. التحقيق استمر لساعات، والكل كان بيسمع بذهول لولاية كاملة كانت بتتباع وتشتري في الخفاء.
وأنا بوقع على أقوالي، الباب اتفتح ودخل ظابط تاني وهمس لووكر بحاجة. ووكر بصلي وقال والدك ووالدتك طلبوا يشوفوكي قبل ما يترحلوا للحجز... رافضين يتكلموا أو يوقعوا على حاجة إلا لو شافوكي.
ترددت لثواني. هل جوايا طاقة لمواجهتهم تاني؟ بس حسيت إن المواجهة دي هي الختم الأخير على القضية. هزيت راسي وقلت ماشي.
دخلت أوضة المقابلات. كانوا قاعدين
ورا التربيزة، الكلبشات في إيديهم، وشوشهم باهتة والتجاعيد زادت فيها ميت سنة في ليلة واحدة. أول ما دخلت، أبويا رفع عينه فيا، مكنش فيها الغل بتاع امبارح، كان فيها انكسار وخوف.
سارة... صوت أمي كان مخنوق وهي بتبكي احنا عملنا كل ده عشان نحميكي ونحمي نفسنا.. هما كانوا هيقتلونا لو الورق ده ظهر.
أنتم محمتونيش صليت على أساني وأنا واقفة بعيد عنهم، ومحاولتش حتى أقعد. أنتم حميتوا الفلوس اللي أخدتوها تمن لبيوت الناس الغلابة. أنتم بعتوني ورميتوا شرفي في الطين قدام الحتة كلها عشان تداروا على جريمتكم. لو كنتوا جيتوا معايا من أربع سنين وبلغتوا، كان زماننا عايشين مرفوعين الراس.
أبويا بص للأرض وصوته كان واطي وبيترعش الشبكة دي مش هترحمك يا بنتي.. أنتي دمرتينا ودمرتي نفسك.
قربت من التربيزة، ساندة بإيديا الإتنين عليها، وبصيت في عينه مباشرة أنا مابقتش البنت الضعيفة اللي بتهدد بكلمتين. أنا بقيت عسكرية في الجيش، ومعايا القانون، والبلد كلها شافت الحقيقة. دمرت نفسي؟ بالعكس.. أنا النهاردة بس بدأت أعيش.
سبتهم وخرجت، وصوت عياط أمي كان بيختفي ورا الباب اللي اتقفل ورايا.
وأنا خارجة من مبنى المديرية، الشمس كانت في وسط السما، قوية ومالية المكان نور. برة، كان فيه عدد من الصحفيين، بس المرة دي
مكنوش بيدوروا على فضيحة، كانوا واقفين باحترام مستنيين كلمة.
تخطيتهم بهدوء، وركبت عربيتي. فتحت الراديو، وجت أغنية قديمة ودافيّة. سحبت نفس طويل، وبصيت للطريق القدام.. طريق ملوش علاقة بالماضي، طريق أنا اللي برسمه بنفسي، خطوة بخطوة، وبكل فخر.
بعد شهرين كاملين من اليوم ده، كانت عناوين الأخبار بدأت تهدى شوية، لكن أثر الزلزال اللي حصل كان لسه مغير كل شبر في الولاية. الأسماء الكبيرة اللي أبويا كان بيخوفني بيها كانت ورا القضبان بتتحاكم، والبيوت اللي اتنزعت ملكيتها بالباطل بدأت ترجع لأصحابها بعقود قانونية جديدة.
كنت قاعدة في شقتي الجديدة، بفتّح الشبابيك وبدخل شمس الصبح، لما الباب خبط.
فتحت، لقيت عم هولواي واقف وبإيده علبة
قطيفة صغيرة، ووراه كانت واقفة أبلة دونيلي، ملامحها كانت أهدى بكتير من آخر مرة شوفتها، والكسرة اللي كانت في عينها اختفت.
صباح الخير يا سارة يا بنتي، عم هولواي قالها بابتسامة صافية وهو بيمد إيده بالعلبة. المنطقة كلها كانت عايزة تعمل لك حفلة تكريم وتعتذر لك رسمي، بس أنا عارف إنك مبتحبيش الزيطة.. فقررنا نجيب لك دي لحد عندك.
فتحت العلبة، لقيت جواها ميدالية فضية محفور عليها اسمي، وتحته جملة إلى ابنتنا البطلة.. من أعادت الحق لأصحابه.
أبلة دونيلي قربت مني، وعينها لمعت بالدموع سامحينا يا سارة.. إحنا اتعلمنا الدرس، الحقيقة ممكن تتفن تحت الأرض سنين، بس مسيرها تطلع وتدفي اللي اتظلموا، وتحرق اللي ظلموا.
شكرتهم من كل قلبي، ووقفت معاهم لدقائق حسيت فيها إن الوجع اللي عيشته السنين اللي فاتت اتبخر تماماً. الناس دي مش وحشة، الناس دي كان بيتم تزييف وعيها، ولما الحقيقة ظهرت، ظهر معاها معدنهم الحقيقي.
بعد ما مشيوا، لبست هدومي ونزلت. كان عندي مشوار مهم.
رحت على المقابر برة المدينة.. وقفت قدام قبر جدي، الراجل الوحيد في العيلة دي اللي علم الشرف بجد، واللي كان دايماً يقول لي وأنا صغيرة يا سارة، نامي مظلومة ولا تناميش ظالمة، والراس اللي تترفع بالحق مفيش قوة في الأرض تقدر تكسرها.
حطيت وردة على قبره، وقلت بصوت واطي عملتها يا جدي.. رفعت راسي، وجمعت ورق التسريح بتاعي وشرفي، ومخلتش حد يكسرني.
وأنا راجعة لعربيتي، تلفوني رن. كان رقم من قيادة الجيش.
رديت بسرعة وبنبرة عسكرية أفندم.
جاءني صوت القائد بتاعي، نبرته كانت مليانة فخر الملازم أول سارة.. إحنا تابعنا القضية بتاعتك من أول يوم، وبناءً على شجاعتك وحسن تصرفك في حماية أمن الولاية وتقديم أدلة حساسة، صدر قرار بإعادة استدعائك للخدمة وتعيينك في جهاز الاستخبارات العسكرية بداية من الأسبوع الجاي. جاهزة؟
ابتسمت ابتسامة عريضة، وبصيت للسما الصافية فوقيا. الحرب القديمة خلصت، بس رحلتي الحقيقية لسه بتبدأ.
شدّيت ضهري، وضربت تعظيم سلام للهوا وللمستقبل، وقلت بكل
قوة
جاهزة يا فندم.. ومستعدة دايماً.

تم نسخ الرابط