ابني الصغير اتبرع بفلوسه للعجوز حكايات صافي هاني
الظابط ابتسم وبص لأوليفر اللي كان واقف ورايا بيفرك في عينه وهو لسه صاحي من النوم، وقاله: "شكراً يا بطل.. أنت عملت اللي إحنا بقالنا سنين ناسيين نعمله".
في اللحظة دي، النور طالع من بيت الست أديل، والشارع كله اتملى ضوء، وأوليفر بصلي وابتسم وقال: "هو ده السر اللي قالتلي عليه يا ماما.. قالتلي إن النور دايماً بيرجع للناس اللي قلبها أبيض".
الظابط وطى على ركبه وبقى في نفس مستوى طول أوليفر، وطلع من جيبه شارة شرطة معدنية صغيرة وسبتهاله في قميصه وقالّه: "دي شارة الشرف لأجدع ظابط في المنطقة". أوليفر عينيه لمعت وفضل يتنطط من الفرحة وهو ماسك الشارة ومبهور بيها.
في نفس اللحظة، باب البيت الأصفر اللي قدامنا اتفتح. الست أديل خرجت في الشرفة بتاعتها، مكنتش لابسة بالطو الشتا التقيل ولا حاجة، كانت لابسة فستان ربيع جميل ووشها منور وفيه ضحكة بقالي سنين مشفتهاش على وشها.
الظباط كلهم أول ما شافوها واقفة، وقفوا انتباه وضربوا لها تعظيم سلام احترماً ليها ولتاريخ جوزها الله يرحمه، وهي شاورتلهم بإيد بتترعش من التأثر ودموع الفرحة في عينيها.
الظابط التفت ليا وقالّي: "على فكرة يا فندم، الحصالات التانية دي مش كلها رسايل وبس.. أهل الحتة لما عرفوا باللي أوليفر عمله، اتكسفوا من نفسهم، ولموا مبلغ محترم جداً وسددوا بيه كل الفواتير المتأخرة على الست أديل لسنوات قدام، والباقي
أنا مقدرتش أمسك دموعي، وطيت أخدت أوليفر في حضني وكنت بصرخ من كتر الفخر بيه. طفل عنده 6 سنين بحسن نية وحب حرك حي بحاله، ورجّع الدفى لبيت ست عجوزة كانت هتموت من البرد والإهمال.
وأنا حاضناه، أوليفر شاور بإيده الصغيرة على البيت الأصفر وقالّي بصوت واطي: "بصي يا ماما.. مش قلتلك إنها جدة ساحرة؟ أهو النور بتاعها رجع تاني، وأنا بقيت ظابط سحري كمان!".
من اليوم ده، الشارع بتاعنا مابقاش مجرد شارع ناس عايشة جنب بعضها وخلاص.. بقى عيلة واحدة، وكل ده بدأ من حصالة صغيرة مليانة فكة، وقلب طفل لسه متعلمش يعني إيه أنانية.
الست أديل شاورت لأوليفر من بعيد وبعتتله بوسة في الهوا، وهو ردلها الإشارة وفضل يلوحلها بإيده وهو فخور جداً بنفسه. الظباط ركبوا عربياتهم ومشوا بعد ما اتأكدوا إن كل حاجة تمام، والشارع رجع لهدوءه، بس مكنش هدوء كئيب زي الأول.. كان هدوء مليان دفا وأمان.
دخلنا الحصالات كلها جوة الصالة، وقعدنا أنا وأوليفر على الأرض نفتح واحدة واحدة. اللمسة الإنسانية اللي كانت في الرسايل مكنتش تتصدق؛ جيران بقالنا سنين بنشوفهم في الرايحة والجاية ومفيش بيننا غير سلام عابر، كاتبين كلام يوجع القلب من كتر جماله. اللي كاتب: "شكراً يا أوليفر عشان فكرتنا بأمهاتنا"، واللي كاتب: "أنت بطل حقيقي
الموضوع مطلعش مجرد قصة يوم وتعدي؛ اللمة دي غيرت الشارع كله. الجيران بقوا يمروا على الست أديل بالدور، اللي جيبالها غدا، واللي بيصلحلها حاجة في البيت، وحتى الشباب الصغيرين بقوا يقضوا معاها وقت عشان متبقاش لوحدها.
أما الحصالة الفاضية بتاعة أوليفر، فإحنا ميرمناهاش. حطيناها في نص الصالة على التربيزة، وكل ما حد مننا يفيض معاه فكة أو يحس إنه عاوز يعمل حاجة حلوة، كان بيحط فيها قرش.
بعد كام شهر، أوليفر جه وقف جنبي وأنا في المطبخ، وبص للحصالة اللي بدأت تتملي تاني وقالّي بفضول الأطفال الذكي: "ماما.. تفتكري مين في الشارع الجاي بيته ضلمة ومحتاج مساعدة؟".
بصيت له وابتسمت، وعرفت ساعتها إن أوليفر مش بس نور بيت الست أديل.. ده نور دنيتي أنا كمان، وفهمني إن المعجزات مش لازم تيجي من السما، ساعات بتيجي في صورة طفل صغير وعنده ست سنين وبإيده حصالة فكة.
السنين عدت، وأوليفر كبر، بس الحصالة اللي على تربيزة الصالة مكنتش مجرد ذكريات، دي بقت أسلوب حياة. الحصالة دي اتسمت في منطقتنا "حصالة أوليفر"، وبقت هي النواة لجمعية خيرية صغيرة بدأها الجيران مع بعض، هدفها بس إن مفيش مسن في الحي كله ينام بردان أو بيته يضلم.
الست أديل عاشت وسطنا تلات سنين كمان، كانوا أجمل وأدفى سنين في حياتها. مكنتش بتغيب عن بال حد، وفي كل عيد ميلاد لأوليفر، كانت بتعمله
يوم عزائها، الشارع كله كان واقف، والظابط اللي جالك البيت أول يوم - واللي بقى دلوقتي رتبة كبيرة في القسم - جه بنفسه وعزّى أوليفر وقالّه: "الست أديل سابتلك الأمانة دي في وصيتها".
فتحنا العلبة القطيفة الصغيرة اللي سابتها، ولقينا جواها مفتاح بيتها الأصفر الصغير، ومعاه ورقة مكتوبة بخط إيد مرتعش:
"إلى ظابطي السحري الصغير.. البيت ده مابقاش ضلمة بفضلك. أنا سيبتهولك عشان يفضل دايماً منور، وعاوزاك تكبر وتخليه مكان يساعد كل طفل محتاج، وكل عجوز وحيد.. السر اللي قلتهولك في ودنك زمان، هو إنك كنت الملاك اللي ربنا بعتهولي عشان يمّسح دموعي".
النهارده، البيت الأصفر الصغير ده بقاله سنين مفتوح كمركز مجاني لتعليم أطفال الحي ورعاية كبار السن، واليافطة اللي على الباب مكتوب عليها: "بيت الست أديل.. حيث بدأ النور".
وأوليفر؟ أوليفر دلوقتي شاب طويل، لابس بدلة الشرطة بجد، وحاطط نفس الشارة المعدنية الصغيرة اللي أخدها وهو عنده ست سنين جوه جيب قميصه جنب قلبه. كل ما بيواجه يوم صعب في شغلو، بيمسك الشارة دي، وبيفتكر إن تغيير العالم مبيحتاجش أكتر من قلب أبيض، ونية صافية، وشجاعة طفل صغير قرر يفتح حصالته