جوزي رماني حكايات صافي هاني
بس حابب أبلغك يا مدام سارة إن ديفيد قدم التماس جديد عشان يخفف المدة بسبب ظروفه الصحية في السجن، وطبعاً طلبات الالتماس دي بتعدي عليا بصفتي وكيلك.
سندت ضهري على الكرسي وقلت ببرود وظروفه الصحية ماله؟ ماله ديفيد؟
المحامي ضحك باستهزاء بيقول إن جاله غضروف حاد في الضهر من شغل السجن، ده غير إن حالته النفسية متدمرة ووالدته مارجريت خرجت من السجن الأسبوع اللي فات بعد ما قضت مدتها، وبقت عايشة في أوضة إيجار في منطقة عشوائية ومش لاقية تاكل، فبيستعطف المحكمة عشان يخرج يعولها.
ابتسمت وافتكرت يوم ما رماني على الرخام وقالي محدش جاي ينقذك، وافتكرت أمه وهي بتشرب نبيذ وبتقولي انظري ماذا جعلتيه يفعل.
وقفت ومشيت ناحية الشباك وبصيت على الشارع من فوق وقلت للمحامي بكل حسم ارفض الالتماس يا متر، وقدم كل التقارير الطبية القديمة بتاعتي تاني. عرفهم إن الوجع اللي عيشهولي تلات سنين، والكسر اللي عملهولي في رجلي لسه مأثر عليا نفسياً. سيبه يكمل السبع سنين بتوعه كاملين مكملين، ولما يخرج.. يبقى يدور على أمه.
قفلت السكة وأنا حاسة بانتصار حقيقي. العدل مش بس إنك تاخد حقك، العدل إنك تشوف اللي ظلمك وهو بيدوق من نفس الكأس اللي شربك منه.
عصر نفس اليوم، رحت ألت قطة إيما من المدرسة. أول ما شافتني جرت عليا
وأحنا في العربية بنسمع أغاني وبنضحك، التفتت ليا وقالت مامي.. أنا بحبك أوي عشان بقيتي بتضحكي كتير علطول.
بصيت لها في المراية وقلت لها وأنا بحبك عشان أنتِ البطلة اللي رجعتيلي الضحكة دي يا إيما.
الكابوس مش بس انتهى، ده اتمسح تماماً من قاموسنا، وبقى مجرد درس علمنا إن الحق ممكن ينام شوية.. بس عمره ما بيموت.
بعد خمس سنين كمان، كانت إيما تمت ال ١١ سنة، وبقت في بداية مرحلة المراهقة. ملامحها بقت شبهي بالظبط، بس عيونها كان فيها القوة والتحدي اللي زرعتهم فيها طوال السنين اللي فاتت.
في يوم جمعة، كنا معزومين عند بابا في البيت، والملة كلها كانت ملمومة. فجأة، وبدون مقدمات، بابا دخل الصالة ووشه جاد جداً، وبصلي وقالي سارة.. تعالي عايزك في المكتب كلمة.
قلبي انقبض ثانية، بس قمت وراه ودخلت. بابا قعد ورا مكتبه وقال بهدوء ديفيد خرج النهاردة الصبح يا سارة.. قضى مدته بالكامل وخرج.
أنا ليت نفسي متهزتش.. ولا حتى رمش عيني اتهز. أخدت نفس طويل وقلت يخرج يا بابا.. هو خرج للسجن الأكبر، برة ملوش لا أكل ولا شرب ولا قيمة.. هو انتهى من حياتنا من يوم ما اتسجن.
بابا ابتسم وقال وفخور بيا كنت عارف إنك
خرجت من مكتب بابا وأنا حاسة إن الصفحة دي اتقفلت واتحرقت وبقت رماد.
بالليل، وأنا راجعة مع إيما في العربية، لقيتها بتبص من الشباك وسرحانة. سألتها حبيبتي.. مالك سرحانة في إيه؟
إيما لفت ليا وقالت بصوت ناضج أكبر من سنها مامي.. أنا افتكرت حاجة النهاردة. افتكرت ليلة الثلاثاء القديمة ديك.. واكتشفت إني مابقتش بخاف لما بفتكرها، بقيت بحس إننا عملنا حاجة صح.. إننا كنا شجعان.
وقفت العربية على جنب وبصيت لها، وأخدت إيدها الصغيرة بين إيديا ورفعت صباعين زي الإشارة القديمة بتاعتنا، وقلت لها وأنا ببتسم الصباعين دول هما اللي أنقذوا حياتنا يا إيما.. ومن يومها وإحنا واقفيين على رجلنا ومحدش كسرنا.
إيما ضحكت ، وكملنا طريقنا لبيتنا المنور، وسط شوارع القاهرة الزحمية المليانة حياة.. وإحنا عارفين إن المستقبل كله بتاعنا، وإن الماضي راح ومستحيل يرجع تاني.
ومرت الأيام والشهور، وجاء اليوم اللي إيما تخرجت فيه من المدرسة وبقت عروسة داخلة الجامعة. وفي حفلة تخرجها، كانت واقفة على المسرح بتستلم شهادتها وبتتكلم
قالت بصوت واثق ومسموع أنا بهدي النجاح ده لشخص واحد بس.. لأمي. الست اللي علمتني يعني إيه شجاعة، والست اللي وقفت في وش الدنيا كلها عشان تحميني وتخليني واقفة هنا النهاردة برأس مرفوعة.
القاغة كلها صقفت، وأنا دموعي نزلت من الفرحة والفخر. بابا كان قاعد جنبي، طبطب على كتفي وقاللي شفتي يا سارة؟ زرعتي صبرها وقوتها، وحصدتي بطلة ترفع الرأس.
بعد الحفلة، وإحنا خارجين من قاعة الاحتفالات ورايحين ناحية العربية، لمحت من بعيد راجل عجوز، ضهره محني، وهدومه قديمة ومبهدلة، واقف ورا شجرة بعيد وبيبحلق فينا وعيونه مليانة دموع وندم.
ديفيد.
السنين والسجن والفقر هدوه، ومبقاش فيه حيل حتى يمشي خطوتين على بعض. لفت وشي عنه بكل برود ولا كأني شفته، وركبت العربية مع بنتي وأبويا. ديفيد مابقاش يمثل لنا حتى مجرد ذكرى سيئة، بقى مجرد نكرة.. شخص اختار يظلم، فالدنيا دايرت ورمته في الزبالة.
إيما دورت العربية، وبصتلي وابتسمت وقالت يلا يا مامي.. نروح نحتفل؟
قلت لها وأنا بضحك من كل قلبي يلا يا قلب مامي.. أحلى احتفال لأحلى بطلة في الدنيا.
طول ما إحنا ماشيين في طريقنا، كنت حاسة إن الوجع القديم ده كله كان مجرد بوابه
عشان نوصل لبر الأمان.. ومن يومها، وحياتنا كلها نور،