شريطه حمرا حكايات صافي هاني
العجلة البامبي خبطت في جزمتة اللامعة.
وقف على الرصيف المبلول وبص تحت.
كانت واقفة قدامه بنت صغيرة لابسة فستان أحمر منقط، بتعيط جامد لدرجة إن كتافها الصغيرين كانوا بيتهزوا. وكان فيه حتة كرتونة متعلقة في جادون العجلة.
للبيع.
قالتله: "أرجوك اشتريها".
الراجل بربش ببطء.
كان فيه خربوش على خدها. وجاكت الجينز بتاعها كان مبلول من المطر. صوابعها كانت ماسكة في الجادون الأبيض كأن العجلة دي هي آخر حاجة فاضلالها في الدنيا.
"فين بابا وماما؟"
البنت هزت رأسها بسرعة.
"ماما تعبانة أوي".
نظرة عين الراجل لانت.
وبعدين لمح حاجة.
شريطة زرقاء باهتة مربوطة في الجادون.
قديمة.
متبهدلة.
عارفها كويس.
إيده اتهزت وهو بيمدها ناحيتها.
"جبتي الشريطة دي منين؟"
البنت شكلها خاف، كأنها عملت حاجة غلط.
"كانت على بالطو ماما القديم".
الراجل نفسة اتكتم.
الناحية التانية من الشارع،
واحد منهم طلع لقدام.
الراجل شاف حركتهم وقام ساحب البنت وراه براحة.
صوته اتهز وهو بيهمس:
"الشريطة دي أنا اللي كنت مديها لأختي".
لمحت البنت الرجالة اللي بيقربوا، واستخبت أكتر ورا ضهره، وجسمها كله بيترعش.
الراجل ميرفتش، عينه كانت على الراجل اللي بيتقدم منهم، وفهم علطول إن مفيش وقت. وطي بسرعة وبص في عين البنت وقالها بصوت واطي بس حنين:
"اسمعيني يا حبيبتي.. اسمك إيه؟"
نطقت وهي بتترعش: "مريم".
مسك إيدها الصغيرة وضغط عليها براحة: "ما تخافيش يا مريم، أنا عمو أحمد.. أخو مامتك. أنا هحيمكي".
في اللحظة دي، الرجالة الأربعة بقوا على بعد خطوات قليلة، والراجل اللي لابس بدلة سودا كحيلة حط إيده جوه جاكت البدلة وكأنه بيثبت سلاح.
أحمد مضايرش ضهره، سحب العجلة البامبي بسرعة بإيد، وبالإيد التانية شال مريم على كتفه،
دخل في حارة ضيقة ورا حارة، وهو حافظ شوارع وسط البلد زي كف إيده، لحد ما تاهوا عن عينيهم تماماً.
وقف أحمد ورا حيطة قديمة، هيربان وبياخد نفسه بصعوبة، ونزل مريم الأرض. بص للشريطة الزرقاء المربوطة في الجادون، ودمعة نزلت من عينه وهو بيفتكر ملامح أخته "أمل" اللي اختفت من سنين.
بص لمريم وقالها وهو بيبتسم وسط دموعه: "يلا بينا يا مريم.. نروح لماما".
مشوا في الشوارع الميتة، المطر كان بدأ يخف بس الجو لسه مغيم وساقعة. مريم كانت ماسكة في إيد أحمد بكل قوتها، كأنها خايفة يختفي هو كمان، والعجلة البامبي كانت بتزي ومطرحها بيعلم في الطين.
وصلوا لبيت قديم في حارة متدارية، من البيوت اللي حيطانها مأشرة والسلالم بتاعتها ضيقة وضلمة. مريم طلعت تجري على السلم، وأحمد وراها بيمشي بخطوات تقيلة، قلبه بيدق
البنت زقت باب خشب موارب ودخلت وهي بتنده: "ماما! ماما!"
أحمد دخل وراها. الأوضة كانت ضيقة، مفيهاش غير كنبة قديمة ولمبة سهاري منورة بنور أصفر ضعيف. وعلى سرير في الركن، كانت نايمة ست وشها شاحب وبتكح بصعوبة.
أول ما الست فتحت عينها وشافت أحمد، دموعها نزلت علطول من غير ولا كلمة.
أحمد ساب جادون العجلة وقرب منها، قعد على ركبه جنب السرير ومسك إيدها اللي كانت بتترعش: "أمل؟.. بقى بقالنا سنين بنقلب عليكي الدنيا، وأنتي مستخبية هنا؟"
أمل اتكلمت بصوت رايح خالص: "كانوا هيموتوك يا أحمد لو عرفوا مكاني.. هما لسه بيدوروا عليا عشان ورق الأرض.. الورق اللي بابا سابهولي."
أحمد هز رأسه وباس إيدها: "ملعون أبو الأرض والفلوس.. المهم إنك عايشة. والرجالة اللي تحت دول مش هيلحقوا يعملوا حاجة."
في اللحظة دي، سمعوا صوت فرملة عربية قوية تحت البيت، وصوت
الرجالة وصلوا.