شريطه حمرا حكايات صافي هاني
أحمد ميرفتش، ملامحه اتغيرت وفي ثانية كان قايم واقف. بص حواليه في الأوضة الضيقة ووقع عينه على شباك قديم بيطل على منور البيت.
قرب من أمل وشالها براحة وبسرعة بين إيديه، وبص لمريم وقالها بهمس حازم: "شدي حيلك معايا يا مريم، اطلعي من الشباك ده علطول، فيه سِلم حديد هينزلنا للشارع اللي ورا".
البنت نفذت كلامه من غير ولا كلمة، والرعب مخلي حركتها سريعة. أحمد عداها الأول، وبعدين عدى بأمل اللي كانت بتئن بضعف، ونزلوا على السلم الحديد والمطر رجع يغرقهم تاني.
في نفس اللحظة، باب الشقة الخشب اتكسر ووقع مية حتة. الرجالة اللي بالبدل دخلوا الأوضة وعينيهم على السرير الفاضي، ولمحوا طرف الجاكت الجينز بتاع مريم وهو بيختفي من الشباك.
"وراهم بسرعة!".. الزعيم بتاعهم زعق، واتنين منهم نطوا من الشباك وراهم.
أحمد كان بيجري في الممر الضيق ورا البيت، شايل أمل ومريم ماسكة في جاكته. ومبقاش فاضل غير كام متر ويطلعوا للشارع الرئيسي اللي فيه حركته وعربيات.
فجأة، واحد من الرجالة ظهر من لفة الممر وقف قاطع عليهم الطريق، وطلع مسدس من جيبه وصوبه على أحمد: "سلم الورق يا أحمد، وخد أختك وغوروا من هنا.. مش عايزين دم".
أحمد وقف، وحط أمل ورا ضهره بالراحة، وبص للراجل بثقة مفيهاش
الراجل صباعه اتحرك على الزناد، وفي اللحظة دي بالظبط، زمارة عربية شرطة قوية جداً هزت المكان، ونور الكشافات الأزرق والأحمر ضرب في الممر من ورا الراجل. أحمد كان مأمن نفسه ومكلم صاحبه في المباحث أول ما تاه من الرجالة في وسط البلد.
الراجل ارتبك وبص وراه، وأحمد منتهزش؛ في ثانية رجله كانت في بطن الراجل وقعه على الأرض، وسحب أمل ومريم وجري بيهم ناحية بوكس الشرطة اللي وقف وقفش على الباقيين.
بعد ساعتين.. في المستشفى.
أمل كانت نايمة على السرير وتركب لها محلول، ووشها بدأ يرد فيه الروح. مريم كانت قاعدة على الكرسي جنبه، نايمة ومطمنة وهي ماسكة الشريطة الزرقاء في إيدها.
أحمد كان واقف جنب الشباك، بيبص على المطر اللي بدأ يقف، وابتسم وهو حاسس إن الكابوس اللي عاشوا فيه سنين انتهى خلاص، واللمة رجعت تاني.
الباب اتفتح بالراحة ودخل "طارق"، صاحب أحمد الضابط اللي جاب القوة ولحقهم في آخر لحظة. كان لابس جاكت جلد أسود ومبلول من المطر، وبص لأحمد ونفخ دخان سيجارته براحة وقال بصوت واطي:
"كله تمام يا أحمد. الرجالة دول طلعوا تبع 'الغول'.. المحاضر اتعملت والنيابة مقلوبين بسببهم من فترة، وجم في ملعبي. الورق اللي معاك هو
أحمد اتنفس الصعداء وهز رأسه: "كتر خيرك يا طارق.. لولاك كان زماننا في خبر كان."
طارق طبطب على كتفه: "إحنا إخوات يا صاحبي. حمد الله على سلامة أختك وبنتها. سيبهم يرتاحوا وأنا مأمن الدور هنا كله."
طارق خرج وقفل الباب وراه. أحمد لف وبص لأخته "أمل" اللي كانت فتحت عينيها وبتبص له بدموع، بس المرة دي كانت دموع راحة.
"سمعتي؟" أحمد قالها وهو بيقعد على طرف السرير ويمسح على شعرها، "كله خلص خلاص. الغول ورجالته هيتحبسوا، وحق بابا هيرجع، وأنتي ومريم هتيجوا تعيشوا معايا في بيتي.. مش هسيبكم تاني واصل."
أمل ابتسمت بضعف وسندت راسها على كتفه: "أنا مش مصدقة إن الكابوس ده خلص يا أحمد.. أنا كنت فاقدة الأمل."
في اللحظة دي، مريم قلقلت في نومها وفتحت عينيها الزرقا الصافية، بصت حواليها وعلطول عينيها جت على أحمد. فركت عينيها وقالت بصوت كلو نوم: "عمو أحمد.. هي العجلة البامبي بتاعتي راحت فين؟"
أحمد ضحك من قلبه، وهي أول ضحكة تطلع من جوه قلبه من سنين، وشالها قعدها على رجله:
"العجلة في حفظ وصون يا ستي.. بس بكره الصبح، هجيبلك أحلى وأكبر عجلة في مصر كلها.. وشريطتها الزرقا هتفضل منورة فيها علطول."
مريم ضحكت واستخبت هي وأمها، والستارة
الصبح طلع، والشمس دفت شوارع القاهرة بعد ليلة المطر الطويلة.
أحمد خرج من المستشفى ومعاه أمل ومريم، وركبوا عربية تاكسي وطلعوا على شقة أحمد القديمة في المعادي. الشقة اللي كانت مقفولة ومفيهاش روح، فجأة اتملت بحسهم. مريم كانت بتجري في الصالة وتتفرج على صور العيلة القديمة، وأمل قعدت على الكنبة وهي حاسة لأول مرة من سنين بالأمان اللي كان غايب عنها.
أحمد سابهم يرتاحوا، ونزل ورا مشوار مهم.
بعد ساعتين، الباب خبط. مريم جريت فتحت الباب، ولقت أحمد واقف وساند بايديه على الأرض.. عجلة بامبي جديدة لانج، بتلمع تحت نور الشمس، وفي نص الجادون بتاعها، مربوطة الشريطة الزرقاء القديمة بعد ما أحمد غسلها وكواها وبقت زي الفل.
مريم صرخت من الفرحة ونطت "دي أحلى من القديمة بكتير يا عمو!"
أحمد دمع وهو شايف فرحتها، وبص لأمل اللي كانت واقفة عند باب الأوضة وبتدعلوا وعينيها مليانة رضا.
أحمد وطي لمريم وقالها: "دي مش مجرد عجلة يا مريم.. دي أول خطوة في حياتنا الجديدة. الشريطة دي هي اللي جمعتنا، وعمرها ما هتضيع مننا تاني."
هما الاتنين لبعض، والبيت اللي كان ضلمة وساقع، بقى دافي بلمتهم اللي مفيش