وجدت السند حكايات صافي هاني

لمحة نيوز

عمال يصرخ ويستنجد بأبوه، والكلبشات في إيديه مخلية شكله قزم بعد ما كان عايش دور السبع. والده، الراجل ذو النفوذ اللي كان فاكر إن فلوسه تشتري الدنيا، خرج وراهم وهو مكسور، عمال يداري وشه بجرنان من الممرضين والدكاترة اللي اتلموا على الصوت في الممر.
الأوضة رجعت هادية تاني، بس المرة دي كان هدوء مريح، هدوء بعد العاصفة.
العم رأفت راح عند التربيزة، مسك سماعات الودن بتاعته وركبها بهدوء، وكأنه مرجعش من لحظات لزمن الحرب والضرب. بص للمحامية وهز رأسه بمعنى كله تمام، وهي ابتسمتلي وقالت أنا هسبقهم على القسم يا مدام، متقلقيش، القضية مقفولة ومضمونة، والملف اللي معانا يخليهم يحلموا بالشمس وميشوفوهاش.
بعد ما المحامية خرجت، عمي سحب كرسي وقعد جنبتي. مسك إيدي اللي كانت لسه بترتعش وضغط عليها بحنان، وبص لليلى اللي كانت نايمة في سريرها الصغير ولا حاسة بالدنيا.
أنا آسف يا بنتي، عمي قالها بصوت فيه غصة، آسف إني سبتك تعيشي تلات شهور في الرعب ده لوحدك.
دموعي نزلت، بس المرة دي كانت دموع راحة. أنت عملت كل حاجة يا عمي، علمتني إزاي أحمي نفسي وأقف على رجلي ومخافش.
عمي ابتسم وسند ضهره لورا حماكي الكبارات ده، كان رئيس قلم الإمداد في قطاعي أيام حرب الاستنزاف.. شافني مرة وأنا بتعامل
مع جاسوس دخل معسكرنا، ومن يومها الراجل ده جاله عقدة من الوشم ده ومن اسمي. لما شافني وعرف إني عمك، فهم إن اللعبة خلصت.
بصيت لليلى وحسيت لأول مرة من شهور بإن الهوا بيدخل صدري بجد. شلت بنتي وحضنتها جامد، وبصيت لعمي وقلتله هنروح البيت يا عمي؟
وقف وفتح باب الأوضة على الآخر، والنور بتاع الممر دخل ومسح كل ضلمة كانت في المكان، وقال بضحكته الصافية البيت بيتك يا قلب عمك.. ويلا بينا عشان نغير زيت العربية وإحنا مروحين.
ركبنا العربية، وعمي رأفت كان سايق بمنتهى الهدوء، وليلى نايمة في حضني زي الملاك. كنت ببص من الشباك على شوارع القاهرة والأنوار وهي بتجري، ولأول مرة من تلات شهور أحس إن النفس اللي بخرجه مفيش معاه هم، وإن الحمل التقيل اللي كان على كتافي انزاح.
وصلنا البيت، وعمي شال الشنط ودخل معايا. أول ما عديت عتبة الباب، حسيت بروح المكان رجعتلي تاني. البيت اللي طارق كان بيذلني بيه ويقولي إنه بتاعه، بقى فجأة ملكي وبتاع بنتي، بقوة القانون وبفضل ربنا ثم عمي.
عدى أسبوعين، والمحامية كانت بتكلمني يوماتي تطمني. طارق وأبوه حاولوا بكل الطرق وبكل فلوسهم ونفوذهم إنهم يلموا الموضوع، أو يلاقوا ثغرة في الفيديوهات والتسجيلات، بس المحقق والقاضي كانوا واقفين لهم بالمرصاد. حماي
جاب كبارات العيلة عشان ييجوا لعمي رأفت الورشة ويطلبوا قعدة عرب ويقدموا شروط تنازل، بس عمي طردهم كلهم وقالهم كلمة واحدة اللي يمد إيده على لحمي، أقطعها له.. والقانون بيننا.
في يوم الجلسة الأولى، أنا مروحتش، عمي والمحامية هما اللي راحوا. كنت قاعدة في الصالة بأكل ليلى لما تليفوني رن.
فتحت الخط، وسمعت صوت عمي رأفت وهو ماليان فخر مبروك يا بنتي.. القاضي رفض الكفالة، وطارق وأبوه اتحكم عليهم حبس احتياطي على ذمة القضية، والمحكمة وافقت على نقل الحضانة الكاملة ليكي ومنعهم من التعرض ليكي نهائيًا.
قفلت السكة والدموع في عيني، بس المرة دي كانت دموع نصر. بصيت لليلى وقلت لها خلاص يا قلب ماما، إحنا بدأنا حياة جديدة، ومحدش هيقدر يكسرنا تاني أبداً.
وفي نفس اليوم بالليل، عمي رأفت جاب عشا وجاء قعد معانا. بص لليلى وهي بتناغي وابتسم، وبصلي وقال ها يا بطلة.. مش يلا بينا بقى عشان أعلمك إزاي توازني دفتر الشيكات وتديري حساباتك بنفسك؟ العيلة الجديدة دي محتاجة رئيس بجد.. وأنتِ قدها.
مرت الشهور، وليلى بدأت تكبر قدام عينيا، وكل يوم بيعدي كنت بحس إن ربنا بيكافئني على الصبر والرعب اللي عشته. طارق وأبوه أخدوا حكم نهائي بالسجن، وفلوسهم ونفوذهم اللي كانوا بيذلوا بيهم الناس مشفعلهومش،
وبقت سيرتهم على كل لسان بعد ما اتفضحوا في المحاكم وبقت قضيتنا قضية رأي عام عن العنف الأسري.
المحامية قدرت كمان تخلصلي كل الإجراءات وتجيبلي حقوقي المادية بالمليم، والبيت اتسجل باسمي وباسم بنتي.
في يوم، كنت واقفة في بلكونة الشقة، الهوا كان يرد الروح، والبيت ماليان هدوء وسكينة. بصيت على الورشة بتاعة عمي رأفت اللي تحت البيت، شفته واقف وسط العمال، بجلابيته وكاب الميكانيكا بتاعه، ورغم سن وسماعات الودن، كان هيبته توزن بلد. لمحني واقفة، رفع إيده وسلم عليا بابتسامته الحنينة اللي كانت ديماً بتطمني.
نزلت له وأنا شالة ليلى، أول ما شافنا ساب المفتاح الإنجليزي من إيده ومسح إيديه في الفوطة بسرعة عشان يشيل البنت. ليلى أول ما شافت جده رأفت ضحكت من قلبها ومدت إيديها الصغيرة تمسك في دقنه الشايبة.
عمي رأفت بصلي وعيونه بتلمع بفرحة وقال شايفة يا بنتي؟ البنت طالعة قوية ومبتخافش.. ضحكتها دي بتفكرني بأبوكي الله يرحمه.
قلتله وأنا كلي فخر ما هي طالعة للي رباها يا عمي.. طالعة للراجل اللي وقف في وش الدنيا كلها عشان يحمينا.
طبطب على كتفي وقال أنا عملت واجبي يا قلب عمك، بس الشطارة كانت منك أنتِ.. أنتِ اللي عرفتي تخططي وتحمي بنتك ونفسك بعقل وذكاء. العيلة دي دلوقتي قايمة عليكي،
وأنا مطمن عليكي وعلى
تم نسخ الرابط