وجدت السند حكايات صافي هاني
بنتك.
في اللحظة دي، حسيت إن جرح الماضي اتقفل تماماً، وإن علامات الصوابع اللي كانت على رقبتي اختفت ومبقاش ليها أثر، والوحيد اللي ساب علامة وجوه حياتنا هو العم رأفت.. علامة سند وضهر وعيلة حقيقية مبتتكسرش.
مرت سنة كاملة على اليوم اللي اتغيرت فيه حياتي. ليلى تمت سنتها الأولى، وعملنا لها حفلة صغيرة في جنينة البيت. المكان كان ماليان ضحك وألوان، وأصحابنا والمحامية اللي بقت من أقرب الناس لينا كانوا موجودين.
في وسط الحفلة، عمي رأفت جه وهو شايل علبة كبيرة مغلفة، ليلى أول ما شافته سابت اللعب وجريت عليه وهي بتقول بلسانها التلتم جدو.. جدو! شالها ولف بيها وهو بيضحك من قلبه، وحط العلبة قدامها. لما فتحتها، لقيت جواها شنطة أدوات تصليح صغيرة من البلاستيك ولعبة على شكل عربية، عمي غمزلي وقال عشان تطلع ميكانيكية شاطرة وتعرف تدير الشغل بعدين. الضحك ملى المكان، وحسيت إن البيت ده بقى ماليان بركة حقيقية.
بعد ما الحفلة خلصت والناس مشيت، قعدت أنا وعمي في الصالة ونور الشارع الهادي باين من الشباك. بصيت له وقلت له عمي.. أنا قررت أرجع أكمل دراستي وأفتح المشروع اللي كنت
عمي رأفت سكت لثواني، وعيونه مليانة فخر، وقلع سماعة الودن وحطها جنبه كأنه مش محتاج يسمع حاجة أكتر من اللي هيقوله أنا كنت مستني الكلمة دي منك من زمان يا بنتي. أنتِ ثبتّي ليكي وللدنيا كلها إنك بوشك القوي وعقلك تقدري تعملي أي حاجة. أنا معاكي وضهرك وسندك في أي خطوة.
الحياة مشيت، وبقيت أدير وقتي بين ليلى ودراستي ومشروعي الجديد اللي بدأ يكبر يوم عن يوم ويدخلنا دخل محترم يغنينا عن أي حد. طارق وأبوه بقوا مجرد صفحة سودة وقفلناها ورميناها ورا ضهرنا، ومبقاش ليهم أي وجود أو تأثير في دنيتنا.
في يوم، كنت قاعدة براجع حسابات المشروع، وليلى قاعدة جنبي على الأرض بتركب مكعبات وتغني بصوتها الطفولي، دخل عمي وجايب معاه عصير. بصيت للمشهد ده.. لعمي اللي مالي الأوضة بهيبته وحنيته، ولبنتي اللي بتكبر في أمان، ولنفسي وأنا قوية ومستقلة.
عرفت وقتها إن العيلة مش بالأسامي الكبيرة ولا بالنفوذ والفلوس اللي بتذل، العيلة هي الأيد اللي بتتمد وتنقذك في وقت الشدة، والضهر اللي تسند عليه وأنت مطمن إن عمره ما هيخذلك.
ومع مرور السنين، بدأت ليلى تكبر وتدخل المدرسة، وبقت واعية ومدركة لكل حاجة حواليها. وفي يوم من الأيام، وهي بتجهز شنطتها، بصتلي وقالتلي ببراءة الأطفال ماما.. هو أنا ليه معنديش بابا زي باقي صحابي؟
السؤال رغم إنه كان متوقع، بس خلى قلبي يقف للحظة. أخدت نفس طويل، وقعدتها على رجلي وبصيت في عينيها الذكية وقلت لها يا ليلى، ربنا لما بياخد مننا حاجة، بيعوضنا بحاجة تملى حياتنا كلها. أنتِ عندك جدو رأفت، الراجل اللي بيحبك أكتر من الدنيا، واللي واقف ضهر وسند لينا.. ده مش بس جدو، ده الأمان كله.
ليلى ابتسمت وهزت رأسها وكأنها فهمت المعنى الكبير ورا كلامي، وجريت على بره عشان تروح لجدها اللي كان مستنيها عشان يوصلها بنفسه للمدرسة.
في نفس السنة دي، مشروع الحسابات بتاعي كبر جداً وبقى مكتب معروف، وبقيت بساعد أصحاب الورش الصغيرة والمحلات في منطقتنا وفي مناطق تانية إنهم ينظموا شغلهم ويحموا حقوقهم بالقانون، والكل بقى يعمل
وفي يوم كنت قاعدة في المكتب، لقيت المحامية بتاعتي بتكلمني وبتقولي بصوت هادي أنا حبيت أعرفك بس إن طارق خرج من السجن بعد ما مدته خلصت.. هو وأبوه خسروا كل نفوذهم وفلوسهم في المحاكم والتعويضات، وبقوا عايشين في مكان بعيد ومحدش بيسمع عنهم حاجة، وميقدروش حتى يقربوا من منطقتكم.
قفلت السكة وأنا مبحسش بأي مشاعر تجاه الاسم ده، لا خوف ولا كره.. مجرد صفحة واتحرقت تماماً.
بالليل، كنا كلنا متجمعين على سفيرة العشا.. أنا وعمي رأفت وليلى. عمي بص في وشوشنا وإحنا بنضحك وبنتكلم، ولقيته بيشيل سماعة الودن كالعادة لما يحب يعيش لحظة صفاء كاملة. مسك إيدي وإيد ليلى وقال بصوت واطي ودافي أنا دلوقتي بس أقدر أقول إني أديت الأمانة لأبوكي الله يرحمه.. أنا شايف قدامي ست بمليون راجل، وبنت ه تطلع زي أمها في ذكائها وقوتها.
بصيت لعمي رأفت، الراجل الطيب اللي تجاعيد وشه بتحكي قصة رجولة وحماية، وعرفت إن أكبر نصر ليا في الدنيا دي مش بس إن الحكاية خلصت لصالحنا، النصر الحقيقي هو إننا عيشنا مرفوعين الراس، وإن ليلى هتكبر في بيت مبيعرفش الخوف، بيت أساسه متين ومبيتهزش.