رموني بره حكايات صافي هاني
.. بعد مرور ست شهور على اليوم ده، الدنيا اتغيرت تماماً.
أنا دلوقتي قاعدة في بيتي الجديد، شقتي واسعة وفيها بلكونة بتطل على جنينة خضرة ترد الروح. في حضني ابني "آدم"، حتة سكرة غيرت طعم الدنيا في بقي، وبقى هو كل دنيتي. دانيال أخويا مش سايبنا لحظة، وموفر لنا أعلى نظام تأمين وحراسة، بس الأهم من الحراسة إنه مالي عليا الدنيا بأخوته وحنيته.
رايان وأهله؟ المحكمة ما رحمتهمش. القضية اتقفلت وبقوا في السجن بتهمة الإهمال الجسيم والشروع في قتل حبلى، ده غير قضية النصب والتبديد اللي رفعتها بمساعدة محامين دانيال عشان أسترد كل مليم خدوه مني ورا مالي. البيت القديم بيعته واتبرعت بفلوسه لملجأ أيتام، عشان ميبقاش ليا أي ذكرى تربطني بالناس دي.
في يوم، جالي إشعار على الموبايلي من رقم غريب، فتحته لقيت رسالة مبعوتة من محامي رايان، بيترجاني فيها إني أتنازل عشان أمه صحتها بتتدهور في السجن، وكاتب: "رايان ندمان ومستعد يكتب لك شيكات بكل الفلوس بس تطلعيهم".
بصيت للرسالة وأنا ببتسم ببرود، وافتكرت اللحظة اللي كنت بموت فيها تحت الشمس وهو بيقفل الباب في وشي وبيضحك. قفلت الموبايلي وعملت للرقم "بلوك" من غير ما أرد بكلمة واحدة. هما افتكروا السكوت ضعف، بس مايعرفوش إن السكوت ساعات بيبقى قمة القوة لما تسيب الأيام والقدر يخلصوا لك حقك تالت ومتلت.
بصيت لآدم وهو نايم في سريره زي الملاك، وبست راسه وقولت له بصوت واطي:
الحياة مش دايماً بتبقى عادلة، بس لما بيكون عندك ضهر بيحبك ويخاف عليك، مفيش أي حاجة في الدنيا تقدر تكسرك. ونقطة، ومن أول السطر، وبداية حياة جديدة كلها أمان.
بعد سنتين من اليوم اللي غير حياتي، كنت واقفة في حفلة عيد ميلاد آدم الثاني. المكان كان مليان بلالين، وضحك، وأغاني أطفال، وكل الناس اللي بيحبونا بجد كانوا حوالينا.
دانيال كان شايل آدم على كتفه وبيقدم له تورتة كبيرة على شكل عربية بوليس، وآدم كان بيضحك من قلبه. وأنا واقفة بتفرج عليهم، حسيت بنغزة خفيفة في قلبي، مش حزن، لكن ذهول من إزاي ربنا بيعوض. افتكرت نفسي من سنتين بس، كنت واقفة مرعوبة وفي قمة ذلي، ودلوقتي أنا سيدة أعمال ناجحة، وبدير فرع جديد لشركة دانيال، ومالية مركزي.
وسط الزحمة، جالي محاميّ الخاص، وطلب يكلمني على انفراد. خرجنا بره القاعة، وبص لي وقال بتوجس: "مدام، رايان خرج من السجن الأسبوع اللي فات بحسن سير وسلوك بعد ما قضى مدته".
جسمي قشعر للحظة، بس ملمحش في عيني أي خوف. سألته ببرود: "وعايز إيه؟"
المحامي رد: "هو حاول يوصل لك كتير بس الحراسة منعتوه، فراح لمكتبنا. الراجل متبهدل يا فندم، أهله اتخلوا عنه بعد ما الفلوس راحت، وشركته أفلست، وشغال شغلانة بسيطة جداً يدوب بتأكله. هو مش عايز فلوس، هو باعت يترجاكي تشوفي ابنه ولو لنص
سكت لثواني، وبصيت من الشباك على آدم وهو بيطفي الشمع وفرحان. افتكرت يوم ما كنت بموت من العطش وهو باصص لي من ورا الإزاز وبيشرب شاي ساقع ومبتسم. افتكرت لما قفل الباب بالترباس وسابني أواجه الموت أنا وابنه اللي في بطني.
لفيت للمحامي وقولت له بنبرة حاسمة زي السيف: "بلغه الكلمتين دول بالظبط.. الشخص اللي ساب ابنه يموت في بطن أمه وهو لسه مجاش الدنيا، ملوش ابن عندي. آدم ملوش أب، أبوه مات في اليوم اللي اتقفل فيه باب البلكونة بالترباس. ولو حاول يقرب من البيت أو الحضانة، رجالة دانيال جاهزين يتصرفوا معاه بالقانون".
المحامي هز رأسه باحترام ومشي.
رجعت للحفلة، ودانيال أول ما شافني حس بيا، قرب مني وهمس: "في حاجة؟"
ابتسمت وهزيت راسي وقولت له: "مفيش أي حاجة يا حبيبي.. كل الحكايات القديمة اتقفلت خلاص".
شيلت آدم في حضني، وشميت ريحته، وعرفت إن القوة مش إنك تنتقم بنفس الطريقة، القوة الحقيقية إنك تمحي الأشخاص دول من حياتك كأنهم مكنوش، وتعيش وتنجح وتفرح، وتتأكد إن اللي بيزرع وجع، مبيحصدش غير الندم.
تمر السنين، وآدم بيكبر قدام عيني وبقى عنده سبع سنين. دخل مدرسة من أحسن المدارس، وبقى متميز في دراسته وفي رياضة الكاراتيه اللي دانيال صمم يدخله فيها عشان يطلع ناشف ويعتمد على نفسه.
في يوم، كنت رايحة أجيب آدم من المدرسة كالعادة. نزلت من العربية ووقفت مستنياه
مفيش في عيني أي خضة، وقفت في مكاني بكل ثبات. هو لما لقاني شفته، قدم رجل وأخر رجل بخوف، وبص لي بنظرة كلها كسر ورجاء، وشاور بإيده على آدم اللي كان لسه خارج من باب المدرسة وبيجري عليا وهو بيضحك.
آدم وصل عندي وحضني، وقبل ما يبص وراه، أنا مسكت كتفه ولفيته الناحية التانية وأنا ببتسم وبقول له: "يلا يا بطل عشان دانيال مستنينا في البيت وعامل لك مفاجأة". ركبنا العربية واتحركنا، ومن ورا الإزاز الفاميه، شفت رايان وهو بيقعد على الرصيف وبيدفن وشه بين إيديه وبيعيط بحرقة.
دي كانت المرة الأخيرة اللي أشوفه فيها، وعرفت بعدها من المحامي إنه سافر يشتغل في محافظة بعيدة عشان يهرب من نظرات الناس وفشله. أمه ماتت بمرضها في السجن، وأبوه عايش لوحده في ملجأ للمسنين بعد ما البيت وكل ممتلكاتهم راحت في التعويضات.
العدالة مش بس إن الظالم يتسجن، العدالة الحقيقية إنك تشوفه عايش بس ملوش أي قيمة ولا وجود في دنيتك، وأقصى أمنياته إنه يلمح طيفك من بعيد.
بالليل، قعدت في بلكونة بيتي، النسمة كانت باردة وجميلة، وبصيت للسما وقولت "الحمد لله". الحكاية اللي بدأت بكسرة وجع تحت شمس حارقة، انتهت بأمان وراحة بال في وسط اللي بيحبوني ويصونوني. ونقطة أخيره..