حفل استقبال البيبي حكايات صافي هاني

لمحة نيوز

عشان يتجنب الحبس.
سألته وميرفت؟ عامله إيه؟
المحامي ضحك وقال ميرفت هانم خرجت من المستشفى، بس شقتها المعروضة للبيع مش جايبة تمنها، والناس في المنطقة عندهم سيرتهم مابقتش تس
ر، الكل عرف إنهم كانوا عايشين على قفا بنت الناس ولما الحنفية اتقفلت انكسروا. شريف دلوقتي بيدور على شغلانة تانية عشان يسدد ديونه.
قفلت مع المحامي وبصيت من الشباك على أنوار الشارع. حسيت براحة مابعدها راحة. أنا مندمتش لحظة على الخمس كلمات اللي قلتهم في المايك وقلبوا الترابيزة عليهم، لأنهم كانوا طوق النجاة لبنتي.
دخلت الأوضة عند إيمان، لقيتها نامت وليلى الصغيرة نايمة في سريرها جنبها. قعدت على الكرسي وبصيت لهم، ودعيت ربنا يديم علينا الستر وراحة البال. الحكاية مكنتش حكاية فلوس ضاعت أو رجعت، الحكاية كانت إننا اشترينا نفسنا، وخرجنا من وسط الوجع.. كسبانين كرامتنا.
ومع مرور الأيام والشهور، ليلى بدأت تكبر وتملى علينا البيت بضحكتها وشقاوتها. سنتين عدوا كأنهم ثانية، وإيمان مأعدتش حاطة إيدها على خدها؛ نزلت معايا الشغل في الشركة، وبقت هي اللي ماسكة الحسابات والإدارة بذكائها ونشاطها اللي كان مدفون. كل اللي يشوفها يقول دي مش إيمان اللي كانت مكسورة ومبتنطقش، دي بقت ست ب مية راجل.

وفي يوم وأنا بمر بالصدفة في وسط البلد مع إيمان وبنتها عشان نشتري لليلى لبس جديد للحضانة، شفت حد واقف بعيد قدام محل موبايلات، لابس قميص باهت ووشه هزلان والهم راكبه.
إيمان وقفت فجأة، وبصت في نفس الاتجاه. كان شريف.
كان واقف بيتفاوض مع زبون على بيع تليفون مستعمل، وصوته مكسور، مفيش فيه أي أثر للراجل اللي كان بيقف يتباها بفلوس مش فلوسه. لما لف وشه بالصدفة، عينه جت في عين إيمان. وقف في مكانه وتنّح، وبص لليلى اللي كانت لابس فستان شيك وماسكة في إيد أمها وبتضحك.
كان باين في عينيه ندم يهد جبال، ندم على خسارة بنته ومراته اللي صانت بيته، ونفسه اللي باعها لأمه وطمعها. قرب خطوتين كأنه عاوز يتكلم أو ينادي، بس إيمان مادتلوش الفرصة دي؛ بصت له ببرود ونظرة ثقة خالية من أي غل أو شماتة، ولفّت وشها وكملت مشيها وهي شادة بنتها في حضنها ومرفوعة الراس.
لما ركبنا العربية، بصيت لإيمان وقلت لها قلبك وجعك لما شفتيه؟
ابتسمت ابتسامة صافية وقالت بالعكس يا ماما، أنا حسيت بالحمد.. حمدت ربنا إنك في اليوم ده خطفتي المايك وقلتي الكلمتين دول، لأنك منقذتنيش أنا بس، إنتي أنقذتي ليلى كمان من إنها تطلع في بيت كله زيف وطمع.. شريف اختار طريقه، وإحنا اخترنا كرامتنا.
أخدت نفس
طويل ودورت العربية وأنا حاسة إن رسالتي كأم اكتملت. الفلوس بتروح وتيجي، وصناديق الأمانات ممكن تتملي وتفضى، بس الأصل والكرامة هما ال ترست فاند الحقيقي والورث اللي مبيخلصش، واللي هيفضل عايش مع بنتي وحفيدتي طول العمر.
ومرت السنين، وليلى كبرت وبقت في المدرسة. كل يوم الصبح وأنا بشوفها نازلة بشنطتها والضحكة مالية وشها، كنت بشوف حصاد اليوم اللي وقفت فيه في وسط القاعة ورفعت صوتي. البنت طلعت واثقة في نفسها، مفيش في حياتها عقد ولا قهر، طالعة في بيت كله حب وسند حقيقي.
إيمان بنتي كبرت في شغلها وبقى ليها اسمها، وبقت هي السند والضهر ليا ولأختها ولبيتنا كله. مفيش أي أثر لإيمان الضعيفة اللي كانت بتمسح الأرض والعصير مدلوق تحت رجلين حماتها.
في يوم، وأنا قاعدة بقلب في الفيسبوك، لفت انتباهي بوست على صفحة ووفيات تابعة للمنطقة اللي كانوا ساكنين فيها. توفيت إلى رحمة الله تعالى.. ميرفت...
قريت الاسم مرتين عشان أتأكد. الست اللي كانت شايفة نفسها على خلق الله، واللي كانت فاكرة إن الفلوس والمنظرة هما كل حاجة في الدنيا، ماتت وسابت وراها سيرة ميعلم بيها إلا ربنا. كلمت إيمان وقلت لها.
إيمان سكتت لحظة، ونزلت عينيها في الأرض وقالت الله يرحمها ويغفر لها يا ماما.
. ربنا تولى حسابها خلاص.
سألتها مش زعلانة؟ مش حاسة بحاجة؟
بصت لي وقالت لأ يا ماما، أنا نسيتهم من زمان. يوم ما خرجت من القاعة دي وأنا ماسكة في إيدك، أنا سبت كل الوجع ورا ظهري ومبصيتش ورايا تاني. أنا مش شمتانة، بس اتعلمت إن الدنيا دي دايارة، واللي بيظلم ويدوس على كرامة الناس، بيجي عليه اليوم اللي يتداس فيه.
وعرفنا بعد كده من معارف مشتركة إن شريف عايش لوحده، وباع الشقة وكل اللي وراه عشان يسدد ديون أمه ومصاريف المستشفيات اللي دخلتها قبل ما تموت، ومبقاش حيلته أي حاجة، وفضل عايش في ندم على العمر والبيت اللي خربهم بإيديه.
النهاردة، وإحنا قاعدين في بلكونة بيتنا، بنشرب الشاي وبنتفرج على ليلى وهي بتلعب بالعروسة بتاعتها وتضحك، بصيت لإيمان وقلت لها عارفة يا بنتي، صندوق الأمانات الحقيقي مش هو اللي بيبقى في البنك ومليان فلوس وأوراق.. صندوق الأمانات الحقيقي هو البيت اللي إنتي فيه دلوقتي، وسط ناس بيحبوكي ويصونوا كرامتك.
إيمان باست إيدي وقالت ونعم بالله يا ماما.. ربنا يخليكي لينا وميحرمنيش منك أبدًا.
وهنا قفلنا كتاب الماضي خالص، وشلنا كل أوراقه القديمة، وبدأنا نكتب في صفحات جديدة كلها خير وفرح وأمان.. ودي كانت النهاية اللي بنتي استقرت فيها، ومفيش
بعدها كلام تاني يتقال.

تم نسخ الرابط