اهانة طفل حكايات صافي هاني

لمحة نيوز

عربية قديمة متبهدلة واقفة جوة حوش القصر، ونزل منها شخص الأب مشافوش من سنين.. شخص هيقلب كل الموازين ويفجر سر قديم مكنش حد يتوقع وجوده!
الشخص ده نزل من العربية القديمة وهو بيلهث، لابس هدوم بسيطة ومتبهدلة تراب، ووشه شاحب زي الأموات.
أول ما الأب لمح وشه، ملامحه الصخرية اتهزت لأول مرة.. عينيه وسعت بذهول، وصوته طلع مكتوم وهو بيقول مش ممكن.. إزاي؟! أنت مش مت بإنفجار المخزن من عشر سنين؟!
الراجل قرب وخطواته بتقلها السنين، وبص للأب بدموع حارقة وقال بصوت مبحوح كنت مستخبي يا غول.. مستخبي من الحيتان اللي حاولوا يخلصوا مني ومنك.. بس المرة دي اللعبة وسعت، وأنا جيت ألحق ابني!
الأب اتمسمر في مكانه، وبص للراجل وبعدين بص لابنه الصغير اللي قاعد جنبه في العربية.. وبدأت الخيوط كلها تتشابك في دماغه بشكل مرعب.
الراجل كمل وهو بيلتفت وراه برعب كأن الموت بيطارده الغول.. اللموزين السودا اللي كانت ماشية وراك في الكورنيش مكنتش عايزة تموتك أنت.. دول كانوا بيدوروا على الولد! الولد ده مش ابنك يا غول.. ده ابني أنا! وأنا اللي سبته قدام قصرك من سنتين عشان تحميه.. بس السر اتكشف، والراس الكبيرة باعت رجالة تصفيك وتصفي المعرض وتجيبه الأرض عشان يوصلوا له!
في اللحظة دي.. صوت ضرب نار حي وجنون انفجر من برة أسوار القصر.. والأنوار كلها قطعت فجأة، وعم الظلام السكون!
الظلام حل على المكان كأنه كفن، وصوت ضرب النار برة الأسوار بقى زي المطر الشديد، الطلقات كانت بتخترق الهوا وبتخبط في حيطان القصر والزجاج بيتفجر في كل حتة.
حسن! خُد الولد وانزلوا تحت الكراسي فوراً! الأب زعق بصوت جهوري هز المكان رغم ضرب النار.
حسن السواق سحب الولد اللي صرخ من الرعب، ونيمه في دواسة العربية ووفر له حماية بجسمه، في نفس الوقت اللي الأب سحب فيه مسدسه من جنبه ولمح الراجل اللي لسه راجع من الموت وهو بيترمي على الأرض ورا عربية قديمة بيحاول يستخبى.
الأب زحف بسرعة البرق ورا شجرة عملاقة في حديقة القصر، وبقى يلمح من وسط الضلمة خيالات ورجالة مسلحة بتنط من فوق أسوار القصر العالية.. دول مش رجالة جمعة الغبي، دول فرقة اغتيال محترفة، مجهزين بنظارات رؤية ليلية وبأحدث الأسلحة.
جهاز اللاسلكي اللي في جيب الأب
صرّخ بصوت قائد الحرس برة يا غول بيه! الهجوم غاشم ومن كل الاتجاهات! قطعوا خطوط الكهرباء والاتصالات عن القصر كله.. إحنا بنموت هنا!
الصوت انقطع فجأة بعد صوت طلقة قناص جابت أجل الحارس.
الأب ضغط على سنانه وعينيه بقت بتطلع شرار في الضلمة، وبقى يضرب نار بدقة مرعبة.. طلقة في جبهة الأول، وطلقة في صدر التاني.. كل طلقة من مسدسه كانت بتنهي حياة واحد من المهاجمين، بس العد الإجمالي ليهم كان مرعب، والذخيرة اللي معاه مش هتكفي.
الراجل المتبهدل صرخ من ورا العربية القديمة وهو بيترعش الغول! خليهم ياخدوني أنا! هما عايزين يقتلوني وياخدوا الولد.. الورق الصغير مع الولد.. الورق اللي يودي الحيتان كلها حبل المشنقة متخيط جوه بطانة شنطته الرمادي!
الأب وشه اتقلب، وافتكر فوراً الشنطة الرمادي الصغير اللي كانت مع الولد في المعرض.. الشنطة اللي الموظف رماها في الأرض، الشنطة اللي لسه جوه العربية دلوقتي!
واحد من المهاجمين لمح الراجل ووجه سلاحه عليه عشان يصفيه، الأب لمح الحركة وبدون تفكير رمى جسمه في الهوا وضرب طلقة جابت المهاجم قبل ما يضغط على الزناد، بس في نفس اللحظة.. طلقة تانية غادرة اخترقت كتف الأب!
آآآه! الأب كتم صرخته، ووقع على الأرض والدم بدأ يغرق بدلته الكحلي الفخمة.
المهاجمين حسوا إنهم انتصروا، وبدأوا يقربوا من العربية السوداء الفارهة بخطوات بطيئة وواثقة، والأسلحة موجهة على الإزاز.. واحد منهم مد إيده ومسك مقبض الباب عشان يسحب الولد والشنطة.
وفي اللحظة دي بالظبط.. وقبل ما يفتح الباب بملي.. عين الأب لمعت برعب وغضب ملوش مثيل، ومد إيده السليمة وضغط على زرار صغير في ريموت القصر اللي في جيبه..
وفجأة.. الأرض تحت العربية السوداء انشقت!
الأرض انشقت وبلعت العربية السوداء باللي فيها!
مخبأ سري هيدروليكي تحت الأرض، الأب كان عامله للطوارئ القصوى، قفل في ثانية وفوقيه صاج مصفح مضاد للانفجارات. المهاجم اللي كان هيمد إيده على الباب اتنطر لورا من قوة الحركة وهو مش مصدق عنيه.. العربية فص ملح وداب!
المهاجمين اتجننوا، وبقوا يضربوا نار بغل على الأرض المصفحة بس الطلقات كانت بترد فيهم. زعيمهم صرخ في اللاسلكي الهدف اختفى! الغول أمّن الولد تحت الأرض! صفوا الغول والراجل
التاني حالا!
الكل اتجه ناحية الأب اللي كان سايح في دمه وساند ضهره على الشجرة، والوجع بياكل في كتفه. الراجل اللي راجع من الموت زحف ناحية الأب وهو بيبكي ضيعتنا وضيعت نفسك يا غول.. مفيش مفر، هيموتونا.
الأب وبسمة ثقة مرعبة مرت على شفايفه رغم النزيف، بص للراجل وقال بصوت هادي يقطر ثقة أنا الغول يا فوزي.. ومحدش بيموت الغول في عرينه.
وفجأة.. دوت صاعقة في حوش القصر.
الأسوار العملاقة المصفحة للقصر اتهدت بالكامل! دخلت منها تلت عربيات شحن ضخمة جرار بمقطورة تابعة لشركات الغول، مصفحة حديد بالكامل، وبقوا يدوسوا على عربيات المهاجمين ويمسحوا أي حد واقف في طريقهم زي اللعب.
من ورا المقطورات، ظهر جيش الغول الخاص.. رجالة حراسته المدربين على أعلى مستوى، نزلوا بأسلحة
ثقيلة وقنابل غاز صدمة، وفي أقل من دقيقة، حوش القصر اتقلب لمجزرة للمهاجمين، اللي اتصفى منهم اتصفى واللي رفع إيده وهو بيصرخ من الرعب والكسر.
قائد الحرس الخاص بالغول جرى عليه، ونزل على ركبه يا فندم الإسعاف برة والمنطقة كلها اتأمنت، ورجالتنا قفلوا المطار والموانئ بناءً على الأوامر السابقة.
الأب قام وقف على رجله، ضاغط بإيده السليمة على جرحه، وبص لفوزي اللي كان مذهول من كمية القوة والترتيب دي، وقاله بنبرة حاسمة فوزي.. أنت هتروح المستشفى تتأمن، والورق اللي في الشنطة هيتسلم للنائب العام خلال ساعة.. الليلة دي، الرؤوس الكبيرة كلها هتبات في المدافن أو في السجن.
الأب مشي خطوتين، وضغط على الريموت.. المصعد الهيدروليكي رفع العربية السوداء تاني للحوش. فتح الباب، لقى حسن والولد سُلام ومفيش فيهم خدش.
الولد أول ما شاف الأب والدم على كتفه، جرى عليه وعيط بابا! أنت تعبان؟
الأب وطى بكتفه السليم، حضنه بقوة لأول مرة من سنين وقال وهو باصص في عيون الولد أبوك بطل يا زين.. ومفيش حاجة في الدنيا تقدر تبعدني عنك.. الشنطة دي فيها مستقبل بلد بحالها، وأنت من اللحظة دي.. الغول الصغير.
بينما كانت إسعافات ورجال الشرطة بتملى المكان، في مكان تاني خالص.. في قصر فخم على أطراف القاهرة، كان قاعد الرأس الكبيرة وبيدخن سيجار وباصص للتلفزيون مستني الأخبار.. وفجأة تليفونه رن، ورقم الغول ظهر على الشاشة!
الراجل الكبير صباع السيجار
ثبت في إيده، وعينيه برقت برعب وهو باصص لشاشة التليفون اللي بتنور وتطفي باسم الغول.
بلع ريقه وصوابعه اتهزت وهو بيفتح الخط، وحط التليفون على ودنه وهو حبس أنفاسه.. ثواني من الصمت القاتل، مفيش فيها غير صوت أنفاس الأب الهادية والواثقة من الناحية التانية.
أخيرًا، صوّت الأب طلع زي فحيح الأفعى، هادي بس بيقطع الأعصاب كنت مستني تسمع خبر موتي صح؟
الرأس الكبيرة حاول يتماسك ويغير صوته أنت بتتكلم عن إيه يا غول؟ أنا مش فاهم حاجة!
الأب ضحك ضحكة خفيفة هزت قلب الراجل وفر تمثيلك يا عزمي بيه.. رجالتك اللي بعتهم القصر، نصهم اتصفى والنص التاني بيغني في أمن الدولة دلوقتي.. وفوزي رجع، والشنطة الرمادي والورق اللي فيها بقوا في إيد النائب العام.. يعني بالبلدي كده، اللعبة انتهت، وحبلك اتلف حوالين رقبتك.
عزمي بيه السيجار وقع من إيده على السجادة الفخمة، ووشه بقى أبيض زي الأموات، صوته طلع مرعوب غول.. إحنا عشرة عمر.. خلينا نقعد ونتفاهم، الشغل كله ممكن يتقسم بالنص!
الأب نبرته اتقلبت لحديد وصوت زلزل السما أنا مابتقاسمش مع خاين.. أنت مش بس حاولت تسرق وتقتل، أنت روعت ابني.. ودست على كرامة طفل صغير.. وأنا قولتلك قبل كده، مفيش حاجة في الدنيا دي كلها تسوى ضفر ابني.
وقبل ما عزمي ينطق بكلمة.. صوت سرينات الشرطة دوت برة قصر عزمي، والكلاب البوليسية بدأت تهوهو، وصوت تكسير البوابات الخارجية اشتغل.
الأب كمل ببرود قاتل الشرطة برة قصرك يا عزمي.. اخرج لهم برجليك، عشان لو رجالتنا دخلوا هم.. مش هتلحق تروح المحكمة حتى.
الأب قفل السكة في وشه، وبص لتليفونه وابتسم.
في حوش قصر الغول، الإسعاف كانت بتضمّد جرح كتف الأب، وهو قاعد على إكصدام العربية السوداء الفخمة، والولد الصغير زين واقف جنبه وممسك في إيده جامد كأنه مش عايز يسيب أمان الدنيا ده كله.
الأب بص لزين، ومسح على شعره بحنان وقال له خلاص يا بطل.. كل الكوابيس انتهت.. من بكرة، الصالة الحمراء هتبقى بتاعتك، ومفيش مخلوق في الدنيا دي كلها هيقدر يرفع عينه فيك أو يقلل منك.. طول ما أنا عايش، أنت ملك.
زين ابتسم والدموع في عينيه، وحضن أبوه بكل قوته.
الشمس بدأت تطلع وتشق ضلمة الليل، تنور قصر الغول اللي صمد قدام الإعصار، وتعلن عن بداية
عصر جديد.. عصر الغول الصغير.
تمت بحمد الله.

تم نسخ الرابط