اهانة جوز امي حكايات صافي هاني

لمحة نيوز

أمي:
"مريم ردي عليا"، "مريم إنتي فين؟"، "جوزك أمك ضغطه عليّ وتعبان من وقت ما مشيتي".
​مسحت الرسايل ومردتش. مكنش عندي وقت لدراما عائلية تافهة، البلد حرفياً كان وراها قرار مصيري الصبح.
​على الساعة ستة الصبح، كنت خلصت صياغة المسودة بالكامل، وطبعت التقارير وحطيتها في ملف أنيق. الساعة سبعة بالدقيقة، كنت واقفة قدام مكتب الوزير صلاح المنياوي.
​خبطت ودخلت. كان قاعد ورا مكتبه، باين عليه الإرهاق بس عينيه حادة ومركزة. بص للملف اللي في إيدي وبعدين بصلي وقالي: "جاهزة يا مريم؟"
قلتله بثبات: "جاهزة تماماً يا فندم، التعديلات اتصاغت بما يضمن كامل صلاحياتنا، ومفيش ثغرة واحدة تفوت عليهم".
​ابتسم ابتسامة خفيفة وقالي: "عفا الله عما سلف بخصوص امبارح.. بس أنا مبحبش حد يتعدى على رجالتنا، خصوصاً لو من أكفأ العناصر اللي عندي. اجهزي عشان هتدخلي معايا الجلسة."
​الجلسة خلصت على الساعة ١٢ الظهر، والحمد لله القرار طلع زي ما كنا مرتبين بالظبط. حسيت بانتصار ملوش مثيل، تعب السنين والسهر كله هان في اللحظة دي.
​لما رجعت شقتي، كنت هلكانة ومش شايفه قدامي. رميت مفاتيحي على الترابيزة ودخلت أخدت دش، ولسه هنام، لقيت جرس الباب بيرن بـ لَحّة.
​فتحت

الباب، ولقيت أمي واقفة.. ووراها مدحت!
​بس مدحت المرة دي مكنش مدحت بتاع زمان. كان واقف ضامم إيديه ورا ظهره، باصص في الأرض، وعينيه مش قادرة تيجي في عيني.
​أمي دخلت وهي متوترة وقالت: "مريم يا بنتي.. إحنا جايين نطمن عليكي.. وكمان.. أستاذ مدحت كان عاوز يكلمك."
​وقفت وربعت إيدي وقلت ببرود: "أهلاً يا أمي.. اتفضل يا أستاذ مدحت، خير؟"
​مدحت كح بكسوف، وصوته اللي كان دايماً بيجيب آخر الشارع، طلع واطي ومبحوح وهو بيقول: "يا بنتي.. أنا.. أنا مكنتش أعرف إنك واصلة للمراكز دي.. أنا فكرتك يعني.. مكالمة عادية.. أنا جاي أعتذر لك، وأتمنى الموضوع ده ميوصلش لمعالي الوزير تاني.. إحنا سوقنا كله قايم على تراخيص المعارض، وإنتي عارفة.. يعني.. إحنا أهل في الأول والآخر، وميصحش البيوت تتخرب بسبب سوء تفاهم."
​ساعتها بس فهمت. الراجل مكنش جاي ندمان عشان قلل من احترامي، الراجل كان مرعوب على سبوبته وفلوسه ومعارض العربيات بتاعته لما عرف نفوذ المكان اللي بشتغل فيه.
​بصيت له من فوق لتحت، وقلتله بهدوء قاتل: "معالي الوزير صلاح المنياوي مبيشغلش باله بالصغائر يا أستاذ مدحت.. وشغلي في الدولة لحماية أمن البلد، مش لتصفية حسابات شخصية. اتفضلوا عشان محتاجة
أنام."
​قفلت الباب في وشهم، ولأول مرة من ١٢ سنة، حسيت إن النفس اللي داخل صدري... طاهر ونقي، وإن حقي رجع لي تالت ومتلت.

دخلت أوضتي ورميت نفسي على السرير، ونمت نوم عميق محلمتش بيه من سنين. نمت وأنا حاسة إن الجبل اللي كان كابس على نفسي طول السنين اللي فاتت دي اتشال من فوق صدري.
​صحيت المغرب على صوت تليفوني بيرن، بس المرة دي الرنة مكنتش تخوف. كانت نادين، أختي من أبويا.
فتحت الخط وأنا لسه صوته مليان نوم: "أيوة يا نادين."
​نادين فجأة انفجرت في الضحك وقالتلي: "مريم! إنتي مش متخيلة إيه اللي بيحصل هنا في البيت! مدحت من ساعة ما رجع من عندك وهو قالب زي القطة المغمضة. الراجل اللي كان بيشخط في الدبانة الطايرة، قاعد في الصالون صامت ومشغل إذاعة القرآن الكريم، وكل ما حد يكلمه يتكلم بالراحة وبأدب شديد!"
​ضحكت من قلبي وقلت: "الخوف بيعلم الأدب يا نادين."
​نادين كملت وهي ميتة على نفسها من الضحك: "ده مش خوف بس، ده رعب! عمال يسأل ماما: 'تفتكري مريم زعلت بجد؟ تفتكري ممكن تعملي مشكلة في تراخيص المعرض الجديد بتاع التجمع؟'.. ماما هتموت من الكسوف، بس الصراحة إنتي عملتي اللي محدش في العيلة دي عرف يعمله من ١٢ سنة. وقفتيه عند حده."
​بعد

ما قفلت مع نادين، قمت عملت كوباية شاي كشري مظبوطة، ووقفت في البلكونة أبص على شوارع القاهرة. حسيت برضا غريب. مدحت افتكر إن الفلوس والمعارض بتديله الحق يذل الناس ويشوفهم صغيرين، بس ربنا سبحانه وتعالى يعز من يشاء ويذل من يشاء. شغلي وتعب السنين اللي هو كان بيستهزأ بيه، بقوا هما الحماية والدرع اللي كسروا مناخيره في ليلة واحدة.
​من اليوم ده، علاقتي ببيت أمي اتغيرت تماماً. مدحت بقى أول ما يدخل المكان اللي أنا فيه يقف يسلم عليا باحترام، ويبدأ كلامه بـ "يا دكتورة مريم" أو "يا سيادة المستشارة". وأمي بقت تبصلي بفخر حقيقي، مش شفقة زي زمان.
​أما أنا، فالموضوع كله أداني دفعة أكبر في شغلي. عرفت إن مكاني الصح هو المكان اللي بخدم فيه بلدي بضمير، وإن القوة الحقيقية مش في الصوت العالي ولا المنظرة الكدابة.. القوة في العلم، وفي الشغل، وفي إنك تكون إنسان محترم بيتقي الله في لقمة عيشه.
​قفلت صفحة مدحت من حياتي تماماً، وبدأت أركز في ملف جديد مع الوزير، وأنا واثقة إن مفيش أي قوة في الدنيا تقدر تكسرني تاني.

عدت شهور على الليلة دي، وحياتي في الشغل كانت بتكبر وتتطور أكتر. وفي يوم، وأنا قاعدة في مكتبي بمجلس الوزراء بتابع ملفات مهمة،

لقيت السكرتيرة بتبلغني إن فيه

تم نسخ الرابط